illynaz illynaz
recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

اترك تعليقا اذا اعجبتك القصة

القرية خلف سكة الحديد الفصل الأول



تسابق دخانُ المداخن في تصاعده منظَّما إلى السّماء الملبّدةِ بالغيوم، فيوم الإثنين كان أول يوم عمل في الأسبوع، الجميع ذاهبٌ إلى عمله بوجه متهكّم، فلا العطلةُ تريح ولا العمل المتدني، ذو الأجور الرمزية يرضي الزوجة وأفواه الأبناء الجائعة، حالهم كحال فراخ العصافير المنتظرين في الأعشاش.

أما البشوش الوحيد كان الملصق المنافق، المتكرر على الجدران وفي الطرقات، تقف فيه عائلة نمطية مكونة من أب وأم وابن، بصرهم محلق نحو الأفق العالي وتحتهم عبارة -لأجلِ مستقبلٍ أجمل-

وأمامه، كان عامل الدهان يحدق في الإعلان وشاربه الكبير يغطّي شفتيه، صنع ابتسامة لكن ليس من الأمل الذي يعطيه المُلصَق بل من جمال الوالدة وثوبها الضّيق على خصرها.

إذ كانت مبادرة موفّقة لجذب أنظار المارة..

"منحطٌّ عديم الأخلاق" فزع من تعليق آنستين متحفظتين، تسيران بخطى متجاورة وسارع بلملمه أغراضه والمضي في طريقه بعد أن كُشف بالجرم المشهود وهو يعاين ابدان النساء في الملصقات.

"لأي درجة وصل الحال بنا من التدني؟" رفعت الشّقراء أنفها بتعالي مستهزئة بنفسه الدنيئة التي هو عليها، ولم تشعر إلاّ بغلامٍ ذو ثياب رثّة يرتطم بها ثم أكمل الجريَ كأنّ شيئا لم يكن.

"يا له من جرذٍ قذر!" تذمرت بغيض وأرادت إخراج عطرها من حقيبتها لكنها وصديقتها صُدِمتا من اختفاء الحقيبة "لص(!) لقد سرق ذلك اللّص حقيبتي(!)" صاحت الآنسة وتلفت حولها بفزع، فحقيبتها تحوي خاتما فيه ألماسة، استعارته من عمّتها الشّحيحة، كي تتباهى أمام صديقاتها في حفلة الشاي.

"حضرة الضّابط! حضرة الضابط، أرجوك لقد سُرقَت حقيبتي(!)" أمسكتْ بمعطف الضابط تهزه وهو بالكاد نكمن كم ادخال الفطيرة إلى فمه، فقد خرج من منزله تاركًا زوجة غاضبة، انتقمت منه بعدم تحضير الإفطار له.

"حاضر سيدتي!"

تركته الشابة ودفعته من كتفيه حاقدة "يا ضيق البصيرة، ألا تراني آنسة!" أبقى الكلام اللاذع داخل جوفه ولحق بالغلام الذي فر هاربا بالحقيبة، ولأجل تظليل الضّابط، دخل الغلام في طرقات ضيقة واجتاز عربات الأحصنة وكلما تعمّق كلما ازدادت مظاهر الفقر مع تغلغله في الأحياء الفقيرة.

رفع الضّابط رأسه وهو يشعر بالدوار من جوع بطنه وتشتُّت فكره، الذي ضاع عندما اصطادته رائحة خبزٍ خرج من الفرن وقال "ليهلك الظلم والظالم" اشتكى من كيد زوجته به وترك مهمته كي يملأ بطنه، فتناول قطعة الخبز السّاخن بامتنان ودعا بأن تعود الحقيبة إلى صاحبتها بقدرة قادر، بينما الصبىّ رفع الحقيبة وعاد إلى رفاقه من النشالين عند عامود الإنارة منتصرًا. فأفرغوا الحقيبة وهتفوا بسعادة عندما عثروا على الخاتم الذي سيملأ بطونهم لأشهر.

"أخفوا الخاتم بسرعة!" حذّرهم أحدهم وأخفى الخاتم بجيبه يرمق صبيا ماكثا خلف زجاج محل، كُتب عليه بالدهان الأبيض -العائلة لخياطة الثياب وتعميرها-تجرّع الصبي حلقه عندما كشفوا أمر مراقبته لهم وطأطأ رأسه، أمسك بقلم الرصاص الذي يكاد يتجاوز عقلة الإصبع، محكوم عليه بكتابة ما تمليه عليه جدته.

إذ أن محل الخياطة للعائلة كان يمر بيوم طبيعي كباقي أيامه العادية..

"أمي الحبيبة، يا من احببتني قبل أن تريني وبعد أن رأيتني، كلماتي الأولى وخطواتي الأولى كلها وأنا بين يديك وتحت حراسة عينيك، اشتقت إلى ضحكتك، إلى بسمتك التي حُرمْتُ منها" انساب لسان السّيدة الخمسينية وهي تستحضر طيف والدتها بخطوات متأنيّة وعيناها الجاحضتان، تجوبان تفاصيل متجرها الضّيق ذو المستوى المتدنّي.

وتلك الرسالة كانت قد قرّرَتْ إرسالها إلى والدتها بعد انقطاعٍ دام ستة وعشرون عامًا، بسبب كابوسٍ راودها؛ وذلك أنّها رأت نفسها تسقط من جسر عالٍ، ممّا جعلها تُوقن أنّ والدتها تدعوا عليها، لذا أرادت إرضاء النّفوس.

"أمي الحبيبة" أعاد حفيدها المسكين المقدّمة خلفها بصوتٍ خافتٍ، ثم حكّ شعره البني بحيرةٍ كونه نسيَ ما قالته جدته. استدار ينظر إلى جدته التي أكملت سرد رسالتها وعاد ينظر الى الورقة الفارغة أمامه والقلم بيده لا يعرف ماذا يكتب.

"من شروق الشمس حتى غروبها، أترقب اليوم الذي أعود فيه إلى حضنك الدافئ، كلما شممتُ رائحة الخبز أتذكّر لحظات الصّباح معك ومع أخي... انتقل للسطر الذي يليه"

تنحنحت ثم أكملت " كم أود لو يعود بي الزمن إلى الوراء كي لا أكبر ولا تكبري معي" أومأت لنفسها برضى على الكلمات المؤثرة التي تنتقيها "هذه العبارة ممتازة! لن تقاومها بالتأكيد، ما رأيكِ يا بُنيتي؟"

"إن كنتِ تريه مناسبا فرأي من رأيك يا أمي" أيدتها ابنتها كلوديا وهي غير راغبة بالتورط، إذ لم تكن تعرف جدتها حق المعرفة وجل معلوماتها مصدرها بعض القصص التي تخرج كل بضعة أعوام من فم والدتها. لذا استأنفت غرز الإبرة في القماش وإخراجها من ثقوب الزر، تخيطه كباقي الأزرار.

"عين العقل يا بنيتي، إن والدتك دوما على حق"

تبسمت كلوديا لكن صوت تذمُّر رضيعتها شغلها، فقد كانت تبلغ من العمر سبعة أشهر، في سلتها متضايقة من الجلبة التي احدثتها جدتها، تمنعها من الاسترسال في نومها "حبيبتي هل أزعجك صوت جدتك؟" أنزلت كلوديا الثوب على بطنها المنتفخ بجنينها الثالث ورفعتْ سلّة طفلتها تهزها.

حينها شعر دينيس بالغيرة من شقيقته الصغرى والتفتَ برأسه إلى والدته يتمنى العودة رضيعاً، فقد كان يوما أسودًا بالنسبة له، عندما عاد إليهم فرحًا بتعلّمه الكتابة والقراءة، ليته أدرك حينها أنه سيتم استغلال عِلمهِ هذا.

كادت الجدة أن تكمل، لكن زبونتها سبقتها أن دفعت ستار ركن تبديل الثياب، كي تطل بثوبها الأصفر "صوفيا، اشعر ببدني ضائع داخله" اشتكت الزبونة ورفعت ذيل ثوبها متقدمة إلى المنتصف، حيث المرآة المعاد تدويرها مسندة ضد الحائط وطرفها مكسور.

"بالطبع ستضيعين داخله وانت نحيلة هكذا! لا أدري لما زوجك صابرٌ عليك، تعالي هنا كي أجعله اضيق" امعنتْ صوفيا النظر فيها ترى ثوب السهرة الذي خاطته، حالته مزرية بسبب بدن زبونتها النحيل.

"لكن اسمعي، إنه ممتاز بل مثاليٌّ، كأنه صنع خصيصاً لإبهار زوجك في حفل ذكرى زواجكما" امتدحت صوفيا خياطتها بفخر لكن زبونتها لم تكن راضية.

"جدتي، لكنك بالفعل قمت بخياطته لهذا السبب"، تدخّل حفيدها دينيس وهو مستغرب من طريقة جدته في ترويج خياطتها "أكمل الكتابة يا دينيس ولا تجلس على فمي بكل كلمة أقولها" وبّخته جدته على تدخُّله ثم أعادت اهتمامها لزبونتها.

"أسمِعْني ما كتبتَه بينما أُكمل أنا عملي، اصعدي يا بنيتي على الكرسي لأقوم بتعميره" أخذتْ صوفيا بيدها لتصعد على الكرسي والسيدة حاولت التوازن جيدا على الخشب العتيق، الذي يرقص تحتها وصوفيا غرزت الدبابيس تضيق الثوب عليها عند الخصر والكتفين.

"ليكن بعلمكِ يا صوفيا، إن زوجي يحبني حبا جما ولن يقف مظهري عائقا أمام مشاعره تجاهي"

"ليس كما لو أننا لم نره وهو يتسكع مع غيرك أسفل نافذتنا" دحرجت صوفيا عينيها وكلوديا أشارت لأمها بكتم السر قبل أن تحل عليهم الفاجعة.

"ماذا قلتِ؟"

"لم أنبس بحرفٍ واحد يا عزيزتي... دنيس هيا اسمعني ما كتبته يا ولد كي اكمل رسالتي"

تجرع دينيس حلقه، يُحدِّق بالورقة التي فيها عبارة أمي الحبيبة لا غير وخطّه قبيح هو نفسه لا يعرف قراءته "أمي الحبيبة" قال المقدمة بشجاعة لكن الباقي أقلقه "أجل" انتظرت صوفيا الاستماع إلى الباقي، كي تُكمل رسالتها.

"أمي الحبيبة" أعاد دينيس قراءتها مجدداً وهو يَفْرك شعره بالقلم.

"أجل بني أكمل! أمي الحبيبة وماذا بعد؟" انزعَجت صوفيا من إعادته نفس الجملة.

"أمي الحبيبة!" زم شفتيه وضيق عينيه يحاول قراءة خطه القبيح "ح.. حضر.." انتظرته والدته وجدته، حتى الزبونة قد اختنقت من تكراره نفس العبارة.

"أمي(!)" اندفع الباب وارتطم بالحائط بعنف معلنًا عن حدوث مصيبة، فزع الجميع من دخول ابن صوفيا المروع وصَرخَت الزبونة، مرتعبة وخجلة من ثوب عاطفي خصصته لزوجها، تهاوى ثباتها ولعب الكرسي العتيق لعبته يرعبها أكثر فعانقت صوفيا ساقيها تبقيها على قيد الحياة "هايدن!" صاحت والدته به، بعد أن جعلها تكاد تبصق قلبها وعامودها الفقري.

لم يترك المدعو هايدن فرصة لأحد، بل ثار بكل ما امتلكه من أعصاب وفك عقدة مئزر عمله، الملطخ بالدهان الأسود يلقيه باحتقار "لقد سئمت(!)" ضرب على الطاولة ذات الساق الهرمة وصوفيا ارادت جعله يتوقف قبل ان تنكسر، فمن أين عساها تجد طاولة أخرى.

"لقد سئمتُ وضاقت الدنيا بي ذرعًا على هذا الحال العفن والعمل العفن والعيشة العفنة(!)" ضرب على الطاولة مجددا واهتزت بكُراتُ الخياطة وحاجيات دينيس، أما دينيس ففر بنفسه هاربًا نحو والدته كلوديا، يحتمي وفي داخله فرح كونه نجى من كتابة الرسالة.

"بني اهدأ ولنتفاهم لا أستطيع فهم كلمة مما تقول!" حركتْ يدها ولازالت ممسكة بالزبونة التي كاد رأسها أن يحترق من شدة المصيبة، فهذا الشاب دخل محل خياطة نسائي عنوة.

"تفاهموا في الخارج وليس هنا!" هزّت الزبونة كتفي صوفيا، لدرجة أن شقّ عليها إخراج جملة مفيدة، مما أغضب ابنها هايدن وصاح "أنا أحادثكِ هنا(!)"

صفعتْ صوفيا يدي السّيدة وتحايلت على ابنها قائلة "أنا أستمع صدقني أنا استمع إليك... أليس ذلك جون؟" تشتّت اهتمامها عنه فورًا فصاح بقهر "رباه!"

من بعيد وعبر زجاج المتجر الصغير، إذا برجل يأتي مسرعًا ووجهه لم يكن بالبشوش أبدًا "أقسم أني إذا أمسكت بك سأبرحك ضربًا على ما فعلته(!)" صاح بعلو صوته وضرب على إطار الباب ثائراً وعيناه لا ترى شيئا سوى هايدن" هل تُدرك ما فعلتَه أيها الأبله؟! أتريدني أن أُجنّ؟ (!) إن بقي لي ذرة من العقل فسأفقده بسببك يا ولد!"

ارتعب دينيس من والده الغاضب، الذي يصيح بوجه خاله وتمسّك بوالدته أكثر، فانتفضت الرضيعة التي أُفسِدتْ قيلولتها وعلا بكاؤها ونهرتهما كلوديا "توقفا فقد أيقظتما دورثي(!)" وبَّخَتهما وضمت رضيعتها إلى صدرها لكن لا حياة لمن تنادي، فهايدن وزوجها جون قد اشتد النزاع بينهما.

"أجل أُدرك ما فعلتُه وسأفعلها مجددًا(!) سأؤدبه وسأُريه العجب كذلك(!)"

ضرب جون وجنتيه يندب حظه الذي مات بسبب هذا الشاب ووبخه"هل أذناك تسمع ما تقوله يا ولد؟(!) أتظنُّني أمازحك؟ أو أننا في إحدى ألعابك التافهة؟(!) لا ركّز معي يا هايدن قبل أن أرتكب جريمةً بحقك(!)" حرّك كلا يديه وكاد أن يحصل على عنق هايدن ليخنقه.

"جون(!) غضبتْ كلوديا وفار دمها لأجل اخيها البريئ "ما لغة الشوارع التي تستعملها مع أخي؟!"

فزعت صوفيا لما رأت أن عنق ابنها يكاد يطير وانضمّت إلى النزاع، تدافع عن هايدن قبل أن يموت على يد جون وسألته باستنكار "ما الذي أصابك جون؟! كيف لك أن تقول هذا عن ابني هايدن المسكين؟(!)" دافعت صوفيا عن ابنها هايدن الذي تعدّاها طولا بمراحل ووقفت بوجه جون "لا بد أنك قد فقدت عقلك!"

فانتقلت عينا جون بين حماته وزوجته، كيف يحميان هذا الطويل ذو الشارب "أجل لقد فقدتُّ عقلي!" أومأ جون وضرب على الباب "وكيف يبقى لي عقل وهذا الملعون سيكون سببًا في إغلاق متجري(!)" أشار جون على هايدن متهمًا إياه "ابنك نابغة زمانه ضرب زبونا آخر، مجدّدًا(!)"

وكما ذكرنا سابقا، كم كان يوما طبيعيا يمر به متجر العائلة...

"هل يمكنني النزول الآن؟" انتقلت أنظار الجميع إلى الزبونة التي ترتجف على الكرسي وهو يرقص بها. 




عن الكاتب

إليناز كاتبة سابقة في تطبيق الواتباد و لي من الاعمال الكثير اشهرها الجميلة و الوحش في الشقة المجاورة, القرية خلف سكة الحديد و روميو و الوحوش في السرداب كذلك قصص سابقة مثل الغراب و الرداء الاحمر

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

illynaz