"شيطان!"
فتح هايدن عينيه واتّسعت على مصراعيها إثر الحصى التي مرتْ أسفل رأسه، التف حوله وإذ به يرى رؤوسًا لم يعهدها من قبل، وجوه ملأها الخوف تتحرك، ثم أدرك أنه هو الذي يُجَرُّ من قدميه بحبلٍ كالماشية ..
"لقد استيقظ! احتموا بسرعة قبل أن يخترق أرواحكم ويسيطر عليها!" تدافع الناس مبتعدين عنه خائفين منهُ وهو لم يفعل شيئا سوى أنهُ يُجرُّ، تدارك هايدن الموقفَ وصاح بالرجل طويلِ البدن ذو ثيابِ الشرطة "ما الذي تفعلهُ؟! دعني وشأني(!)"
التفت إليه الرجل فأدركَ أنهُ ليس رجلَ حكومة من اللحية على وجهه ومظهرهِ البالي وأكمل الرجلُ جرهُ إلى كوخ فلم يكن لدى هايدن سوى التمسك ببوابةِ السياجِ الخشبي، التي تحركت بدَورها معه حتى توقفت مثبّتة إياه "إنهُ يقاوم ليتصرف أحدكم قبل أن يهرب!" حثتهم امرأة على التصرف فأسرع رجل بالتقاط غصن واقترب من هايدن بحذر، يضربهُ على يده
"أفلت الباب أيها الشيطان!"
"هذا يؤلم أيها المعتوه(!) توقف عما تفعله!" تألم هايدن من الغصن الذي غرزه الرجل في يده وأفلتَ الباب مكرها ليتم جره ويرتطم جسده يتبعهُ رأسه بدرجات عتبة الكوخ.
اجتمع رجلان وارتديا قفّازات ثقيلة ثم ألقيا على نفسهما دلو ماء يحميان روحهما من هذا الكيان الشرير وأمسكا بهايدن يحبسانه في زنزانة خشبية "أسرعْ بنزعِ القفاز قبل أن يصل أثرهُ إلى أجسادنا!"
سارع الرجلان بنزع القفازين وفرّ أحدهما هاربا، بينما الثاني، الشاب النحيل تجرّع حلقه ووقف في آخر الكوخ مع الرجل الذي يرتدي ثياب الشّرطي "أحضر لي النظارة المضادّة لقوة الشياطين حتى يأتي حضرته ونرى ماذا سيفعل في أمره"
" نظّارةُ ماذا؟ من سيأتي؟" استنكر هايدن بينما يحاولُ فك الحبل عن قدميه "أغلقْ فمك أيها الشيطان ولا تُسمعنا صوتك! اما انت، هيا تحرك ولا تدعني أنطقُ اسمك فيُسيطِر عليك هذا الشيطان" أمر الرجل الشاب أن يسرع فركض نحو السلالم المؤدية للطابقِ العلوي.
بقي الرجلُ مديرًا ظهرهُ يتجنبُ النظر إلى عيني هايدن خشية أن يصل إلى روحه ويتحكم به "ها هي النظارة!" نزل الشاب وهو يضعُ نظارة قراءة وأعطى الآخر نظارة قراءة ثم في هذه اللحظة فقط استدار وحدق بعيني هايدن "أرني الآن أيها الشيطان كيف ستصلُ إلى رأسي" ضحك الرجل بنصرٍ وضرب على القضبان الخشبية
"لا يوجدُ عقلٌ حتى أصل إليه من الأساس!" نهض على قدميه وصاح "أخرجوني من هنا أيها المجانين!" أشار عليه الرجلُ بالغصن "لقد أمسكناك بالجرمِ المكشوف !"
"بل اسمهُ الجرمُ المشهود! ثم ما الذي فعلته؟ أنا لا أعرفكم حتى أرتكب جريمة بحقكم! من أنتم؟!"
"مايكل لقد عثرنا على مقتنياتهِ الشيطانية!" اندفع شابٌ يافعٌ، بدين الجسد قصيرُ القامة موجها حديثهُ إلى مايكل المسؤول عن أمن القرية وأهلها، ضرب مايكل الشاب بِن ووبخهُ "كيف لك أن تقول اسمي أمامه؟! أيرضيك أن يُسيطر عليّ ويدخلني إلى دارك بن؟!"
"لكنك قلت اسمي لتوك أيضًا مايكل" ارتبك بِن ولم يعرف ماذا يفعل بعد، صفع مايكل جبينه والتفت برأسه إلى هايدن محذرًا إيّاه "إذا تجرّأت على التحكم بي وعثت في القرية الفساد فسأحرقك حرقًا، ضع النظارة بِن واحرسه مع نيكو أما أنا فسأجلبُ أغراضهُ الشيطانية"
"لقد قلت اسمي كذلك مايكل!" صاح نيكو وبقي خلف مكتبِ مايكل الرث، هزّ مايكل رأسه للجانبين وجعلهما يحرسان هايدن ريثما يعود.
ركض مايكل بالقفازات المباركة وذهب حيث صب أهالي القرية الملح على حاجيات هايدن والرُّعب يكتسحهم فمنذُ مدة لم يتجرأ شيطان على الظهور في العلن هكذا منذُ زمنٍ طويل "أحسنتم، اجلبوا الحكيم بسرعة فلا أظن أني استطيعُ ترويضهُ لفترة أطول من هذه، أنه يصرخُ ويكادُ يدمّرُ الكوخَ على رؤوسنا"
"يا له من شيطان خبيث، أتى ثم يريدُ صنعَ الخراب" قال السيد فايلد ذو القلب الشجاع، الذي عثر على حاجيات هايدن وطمسها تحت تلال من الملح لتعطيل قواها الخبيثة "لقد ذهب الرجال لجلب الحكيم لا عليك سيد مايكل" ناولته جورجينا ذات الضفيرتين، بيديها وعاءُ ملحٍ "لك من يدي اليوم أطيب مرطبان مخلل"
تبسم مايكل وأنزل رأسه خجلاً من عطاء هذه الحسناء عليه لكنه تمالك نفسه عند اقتراب والدها السيد ستون ووقف باتزان "لا تقلقوا أيها الأحبة ولا تسمحوا للخوف بأن يدخل أنفسكم، لقد أمسكنا بالشيطان وقريباً الحكيم سيأتي وسيتصرفُ معه ولن يبقى أثرٌ له على هذه الأرض! هيا عودوا لأعمالكم!" حمل مايكل حقائب هايدن واتجه إلى كوخه الذي جعلهُ مَقرًّا لإقامة العدالة حيثُ يسجنُ ويُستجوبُ وأحيانا عند الحاجة يستعملُ بندقيتهُ. في الجهة الأخرى من القرية، قفزَ الحكيم من مكانه وخرج من منزله مهرولا بينما يرتدي معطفه و عصبةٍ من الرجال الأشداء ذوي الشواربِ الكبيرة يلحقون به نحو الكوخ..
ولج مايكل برفقة الحكيم إلى الكوخ وعثر على نيكو وبن يختبآن تحت مكتبه خوفاً من أن يتخلص هايدن من هندامهِ البشري ويظهر على حقيقته الشيطانية المخيفة "ما الذي تفعلانه؟! أهكذا أنتما تحرسانه ؟"
"اعذرني لكن هذا لا يتم حراسته بل الهربُ منه" أشار نيكو على هايدن الجالس ويداه على رأسه يشتمُ اللحظة التي قابل فيها المدعو بجوزيف في حلبة المصارعة.
"أنت أيها الشيطان، ها قد حضر من سوف يحرقك ويعذبك!" أغلق مايكل الباب كي لا يرى أحد المنظر المخيف لكن هذا لم يمنع الأهالي الفضوليين، بل وتجمعوا عند النوافذ يختلسون النظر، رفع هايدن رأسهُ يُحدّقُ بالهرمِ ذو العين الواحدة الذي أحضرهُ مايكل معه، تقدم الحكيم منه وقرّب رأسهُ يُمعنُ النظر بهايدن "إذًا ما الذي أحضرك إلى قريتنا أيها الشيطان؟ أليس بيننا معاهدةٌ بأن الليل لك والنهار لنا لا تظهرُ فيه؟ أم أنك متمردٌ تريدُ إفساد هدوء الجبال؟ تعرفُ أن القرى المجاورة لن تكون مسرورة بهذا الخبر"
"ما الذي تُهذي به يا جدي؟ ألا يوجدُ طبيب يصفُ لك دواء؟ أخرجوني من هنا واتركوني في حال سبيلي!" صاح هايدن يريد الخلاص من قرية المجانين التي دخلها.
"إنهُ صعبٌ وعنيد" قال حضرة الحكيم وارتدى مايكل نظارة القراءة وفرك يديه ببعضهما البعض "لنقم بمحاصرته وإهلاكه حتى يعترف، نيكو، بِن ساعداني!" رسم نيكو وبِن دائرة من الملح حول زنزانة هايدن وقال "انظروا إليه كيف يتكبرُ ويُظهرُ إنهُ لا يتأذى" اشمئزّ مايكل ونثر الملح على هايدن فدخلت بضعُ حبات إلى فمه وقال "تريدون إيذائي بملح؟!"
عدم تأثر هايدن دفعهم للجوء إلى الحلِ الآخر... دخل نيكو معه بِن ومايكل الكوخ وفي أيديهم دلاءُ ممتلئةٌ بالماء والحكيم جالسٌ على الكرسي يداهُ على عصاتهِ يشاهدهم وهم يقاتلون الشيطان.
لحظات لم يتوقعَ هايدن يومًا أنه سيعيشها ودلاء الماء التي عرف مبتغاها أغضبته، صاح به مايكل "ارحل أيها الشيطان من قريتنا قبل أن نذيبك بالماء!"
رَدّ عليه هايدن قائلا "أخرجني من الزنزانة حتى أرحل!" لم يلبث هايدن أن أكمل جملته إلا والماء يندفع نحوهُ كموجة عوجاء في البحر، انضم بِن وصاح قائلاً "ارحل من قريتنا!"
حاول هايدن تمالك غضبه وقال "كيف لي أن أرحل وأنتم تحبسونني..." صفع الماء وجههُ مجدّدا بشكل أقوى وبصق ما دخل فمه "ألا تحملون عقلاً في الداخل؟! ألا تفهمون أني مح..." جاء الدلو الثالث بكمية ماءٍ أغرقته وجعلت منه يفتح فمه فقد كان باردًا. تجرع هايدن حلقه وبِكِلا يديه ابعد شعره الملتصقَة بجبينهِ كالستارة.
"هل تريد منا تصديق أنك محبوس هنا؟ أيها الكاذبُ الخسيس لن يخدعنا كلامك المنمق أو ثيابك المرتبة فالشياطين لا تأتي على هيئة فقير!" أصرّ مايكل على أضراسه فهندامُ هايدن مطابق لهندامِ الشياطين الذين حُذِّروا منهم؛ ثيابٌ غالية، مشية سوية، لغة ماكرة مغلفة بالحيلة يتسترون تحت عنوان العلم والمعرفة.
بعد تفكير طويل أمر الحكيم مايكل بتفتيش حقائب هايدن فقد يكون سرُ قوته فيها وبتمزيقه يهلك، وتم فتحُ حقائب دوريان وكتبه، شهق بِن فزعًا من رؤية الكتب وقام بتقليبها ثم نظر إلى الحكيم "أسرار الشياطين مكتوبة فيها، هو وقومهُ يخططون لفعلِ شيءٍ بالتأكيد! لن أدعك تُوصِل هذهِ الأسرار إلى كبيركم!" أمسك بِن الصفحات بهيستيرية كعقلهِ الذي لم يعد يفكر من هولِ الموقف ومزَّق الصفحات أمام ناظري هايدن الذي بات يقفزُ كالمجانين، يشتم ويلعن فظنوا أنهم ينتصرون عليه..
"انظروا إلى هذه الثياب، إنهُ حقًّا كما وُصفَ لنا" ذُهلَ نيكو من تحقق كل كلمة سمعها عن قصص الشياطين، بحث بِن حوله بنوبة عصبية وحماس فهو الآن يقهرُ الشياطين.
"حضرة الحكيم انظر إلى هذه!" كشف مايكل عن عدة دوريان الخاصة التي فيها مقصٌ، مشرطٌ والكثير من أدواتِ الأطباء "ألا يكفيك أنك تهلكُ الأبرياء بل وتقتلهم أيضا!"
"انظروا لهذا!" هتف بِن وأدار غطاء وعاء زجاجي، ولما قرب أنفه لشم ما هو أحس بمساراته الأنفية تحترق فقال "ما هذه الشعوذة؟!"
"إنه مطهر أيها المعتوه!"
"مطهر؟" اقترب الجميع يشمون رائحته البشعة ثم ربطوا اسم مطهر بالماء الذي يطهر الأرواح الشريرة، لذا وبكل شجاعة التقط مايكل الزجاجة وأفرغها على هايدن الذي هز صراخه الكوخ وأرعب باقي القرويين لدرجة ظنهم أنه هلك أخيرا.
جزّ هايدن على أضراسه وحرّك رأسه في كل الاتجاهات، فقد عاثوا الفساد بمقتنياته وتركوه في الزنزانة التي رشوها بالملح وحوله الكثير من الأواني الفخارية المنقوشة برسوم غريبة وأجراسٍ لكَبح قواهُ الشيطانية، صاح هايدن باسم مسببِ مشاكله ولعنه مراتٍ لا تحصى "تبًّا لك يا جوزيف الملعون!"
بطش بيده على القضبان وضربها مرات عديدة وفي النهاية ختمها أن ضرب رأسه عله يمت ويفتك "لن أنسى ما فلعته بي يا دوريان، لتنقلب عظامك في قبرك!" كاد أن يصيح هايدن مجدداً لكنه هذه المرة صُدم من وجود فتاة تختلسُ النظر وحالما امسك بها فرت هاربة.
زأرت عصافير بطنه من شدّة الجوع، فلم يكن منه سوى اعتصارها كالعجين يسدُ جوعه الذي ينهشُ عقله -أمرٌ رائعٌ للتفكير بهِ في هذه الأزمة- فتح هايدن عينيه على صوت الفتاة يأتي من خلف الباب "هل انت جائع؟ بحوزتي قليل من الطعام" سألته وهايدن ظن أن فطرتها الأنثوية دفعتها لذلك فمن غير الاناث قد يشفقن على شيطانٍ ضاري يهدد أمن القرية إلا أن الشابة نواياها كانت مختلفة تماما.
"أجل.. الرحمة إني اتضور جوعا!"
"حسنا، سأعطيك لكن أغمض عينيك ولا تفتحها إلا عندما أقول لك"
زفر هايدن وفعل كما تريد، أغمض عينيه فإذا به يسمع صرير الخشب تحت قدميها مع كل خطوة تخطوها، لم يصبر هايدن وفتح عينيه فهو بالنهاية غير مهتم، ليرى الشابة وهي قرب زنزانته تفرش له خرقة قماش بالي احتوت في داخلها رغيف خبز وحبة طماطم لا غير. رفعت الشابة بصرها ولما رأته ينظر إليها سقطت ارضا من شدة خوفها وبكلا يديها غطت عيناها "لا تسيطر على روحي!" توسلت فلقد سمعت عن هذا الشيطان لما عادت من الحقل ورأت القرويين في حالة ذعر من أمرهم.
"لقد سئمتُ حقا من ترهات الشياطين هذه" مد يده والتقط رغيف الخبز وحبة الطماطم، أكل منهما نية سد جوعه ثم قال "هل رايتي في حياتك شيطانا يأكل خبز؟"
"إن عيناي مغمضة فكيف لي أن أر ذلك؟"
"شكرًا لك على الطعام" اكتفى بشكرها وأخذ قضمه من حبة الطماطم ثم لحقها رغيفُ الخبز، عاينها باستهزاء فقد دفعها خوفها من القصص الخيالية لتغطية عينيها والمكوث في مكانها دون حراك.
"اسمعي، لو كنت قادرا على اختراق روح أحد والسيطرة عليه لفعلتُ باللحظة التي نظرتُ إليك"
"ماذا تعني بذلك؟"
"أعني أني لو كنت سأتلبس بك لفعلتها منذ وقت مضى لكن لستُ قادر فكفي عن وضع نفسك في موقف محرج هكذا"
"انت تقول هذا كي تستدرجني، ثم لمَ لا تغادرُ فحسب؟ تبخر كما تفعلُ دوما واهرب بجلدك، ألا تخافُ الحرق؟" سألته وهي تخفي خوفها منه مدعية الشجاعة.
أطلق هايدن زفيرًا منهكاً فقد تعب من قصة الشيطان هذا وقال "حلوتي إذ كنتِ تعرفين كيف، علّميني عسى أن أتبخر وأفر هاربًا من هنا"
ضربت الشابة خشب زنزانته بقدمها تحذره وهي مستنكرة من كلمة -حلوتي- التي استعملها "تأدب أيها الشيطان"
حدق هايدن بها مطولا وقرر التعامل معها بطريقة أخرى، فهي تبدوا امرأة ساذجة وبعض الكلمات الحزينة ستفطر فؤادها بالتأكيد، ويدفعها لتشفق عليه فقال لها "أنظري أنا إنسانٌ عادي ولست شيطاناً، يا ليتني شيطان فلا تطبق عليَ قواعد الفيزياء، أنا مجرد رجل مسكين، أخذ مزارعٌ مني نقودا كثيرة مقابل توصيلي ثم تركني في منتصفِ الطريق ليلاً، تاركا في يدي مصباحا زيتي"
"هل تؤلف قصة لتستمد عطفي؟"
"أنا؟! بالطبع لا.. صدقيني أنا بشر مثلكم" وجدها غير مقتنعة وهايدن فقد الأمل واكتفى بالجلوس يندبُ حظهُ التعيس فلا غبائهم يريحه ولا ذكائهم، راقبها من طرف عينه ولقد كانت تستحقُ لقب قروية، فالثوب البالي من أشعة الشمس والقدمان الحافية كان خير دليل يشهد على هويتها، أما شعرها فلقد جمعته في ضفيرة التفت حول رأسها، بالطبع هذا ما تمكن من رؤيته فأغلب شعرها كان مغطى بخرقة بيضاء متسخة ونهاية الخرقة معقود أسفل رأسها من الخلف.
-فتاة كاللؤلؤ لكن قدماها قذرة- راوده حديث تلك النصابة وسخر منها ومن نفسه لأنه تذكرها.
"أخبرني أيها الشيطان هل انتَ الذي تقتل منا من يخرج في الليل؟ إن كنت كذلك فلي حديث طويل معك" قالت بحذر ويدها تسللت لمئزرها محكمة قبضتها على سكين من الفضة.
كتم هايدن الشتيمة التي كادت أن تهرب من لسانه ثم أردف قائلا "اسمعي يا امرأة، سأكررها لآخر مرة. أنا انسان عادي حالي من حالكم، لا استطيع التحكم بعقل أحد أو إيذاء احد بقدراتٍ ما فوق الطبيعة. أنا مجرد طبيب عادي وأُدعى دوريان باومن، أتيت إلى هنا بسبب رسالة وصلتني!"
لم تصدق الشابة قوله وتراجعت للوراء بضع خطوات ببطء "تقول أنك دوريان باومن؟"
"أجل! أنا هو بشحمه ولحمه!"
قضمت بيرل اظفرها تفكر ثم سألته بنبرة كما لو أنها صدقت كل حرفٍ ينطق به، الأمر الذي جعل الفرح يتسلل لفؤاد هايدن فها هو وصل لنقطة تفاهم أخيرا "إن كنتَ هو فما الذي أتى بك؟"
فكر هايدن مليا بإجابة من الممكن أن يقولها دوريان "القدر؟ أعني أليس جيدا أن يموت الانسان في تراب أرضه؟" اقتبس من حديث دوريان.
حملقت الشابة به وكادت أن تتحدث لكن الأصوات القادمة أفزعتها، لذا فرّت هاربة قبل أن تقع في مصيبة، عاد مايكل أدراجهُ إلى الكوخ والحكيم يجاورهُ الخطى يستندُ على عكازه، أخفى هايدن قطعة القماش التي تركتها الفتاة خلفها وترقّب ما سيفعلانهِ به، لاحظ الحبال في يدي مايكل وتصلبت عضلاته عندما فتح قفل الزنزانة "ستأخذ العدالة مجراها الآن"
ولج مايكل بسرعة إليه كي يربط هايدن لكن هايدن صرعه وقفز من فوقه متجهًا نحو الحرية، دفع باب الكوخ وذُهل من عدد الرجال الأشداء في الخارج فلم تدم مقاومته طويلا حتى بطحوه أرضا وجرّوه بالحبال كالكبش مجددًا "يا رفاق جميعنا نتحدث بالرومانشية فلمَ لا نتفاهم؟! صدقوني لستُ من المواشي!" نظروا إليه ووجوههم الجامدة وأعينهم الفارغة دست الرعبَ في قلبه فصاح "فكوا قيدي واتركوني! إلى أين تأخذونني؟!"
تنقّلت عيناه الهلعة على رؤوس الأهالي ومن نظراتهم الحازمة أدرك أن نهايته لن تكون خيراً، جرّوه حتى وصلوا بهِ إلى منتصفِ قريتهم، ثمّ رفعهُ أضخم رجل وألقاه في مساحة خالية من الزرع حينها أدرك أنها مساحةٌ محترقة...
صاح هايدن يستنجد "لا، لا أنا لست شيطانا! أنا لست شيطانا! أنتم ترتكبون خطأ!" لكنه لم يحرّك مشاعرهم فهم يرونه شيطانًا أتى ليعيث الفساد وهاهم قهروه قبل أن يتعاظم عليهم، رفعوا أيديهم يصفِّقون ويدورُون في دوائر حوله، فالصف الأول دار في اتجاه والثاني دار في الاتجاه المعاكس. ضربوا الأرض بقدمهم اليسرى ومن حناجرهم ارتفعت صلواتهم.
يا غابة قد جاءنا شيطان،
يا أشجار الغابة قد جاءنا شيطان،
يا أيها الجبل العظيم قد جاءنا شيطان.
انتفض هايدن كالعصفور مبتور الجناحين ثم قرّب مِعصمهُ المقيّد يَعضُ الحبل والقذارة دخلت فمه، تسارعتْ أنفاسهُ وشعر للمرة الأولى بعقارب ساعة حياتهِ تدق، حرّك قدميه المعقودة يريدُ الخلاص ثم تقدمِ رجلٍ نحوه وفي جعبته كومةٌ من القش ألقاها على هايدن فصرخ "لا(!)" تبعهُ الآخر وألقى عليه ما بجعبتهِ من أغصانِ يابسة "لا(!) لا(!)" أحمرّ وجه هايدن واسودّت الدنيا في عينيه وهم يقولون؛
شيطان شرير،
شيطان خسيس،
شيطان خبيث يريد بنا سوءًا.
صرخ هايدن وهو يستغيث تحت أكوام القشِّ والأغصان "لا(!) أخرجوني من هنا" لكن صوتهُ لم يعد يصل منهُ إلا القليل وهم يلقون المزيد فوقه، قائلين بتناغم وصوتٍ واحد؛
شيطان متنكر،
وطئت قدمه أرضنا،
ليعيث في نفوسنا الفساد، هه
احذر من عزيز قريتنا،
احذر من يمناه المباركة.
قالوا جميعًا ومن خلفهم صدح صوت مزمارٍ يأخذُ صلواتهم إلى مجرى دموي آخر، تلفّت هايدن حولهُ وفزع من الصمت المخيف ولم يكن يعلم بالحكيم الذي يقتربُ منه وفي يدهِ ما سيحرقهُ به حياً، رفع الحكيم يديهِ إلى السّماء والغيوم تحركت يا رياح الجنوب "خذي رماده بعيدًا، بعيداً خلف الجبل العظيم"
تبعثرت أنفاسُ هايدن وصرخ مستغيثًا لمن في السماء لأول مرة، بعد أن يئس من بني جلدته "أنقذني!" صاح بكل ما يحملهُ من صوت "أتوسلُ إليك!" استنجد يتشبثُ بحياته "إلهي أنقذني(!)"
اشتعلت ألسنةُ اللهبِ مستعدة لأكلِ كل ما سيصادفها منه، لامس اللهيب الأغصان اليابسة وأشعلتها كي تمضي في طريقها الحارق إلى بدن هايدن.
"توقفوا(!)" دافعت سيدة عجوز القرويين وأسرعت نحو هايدن أمام أنظار الجميع، لم تبالِ بحرقة الأغصان وسارعت بالنّبشِ عنهُ كي تخرجه "ساعدوني!" استنجدت بهم ودون تضييع الوقت أسرعَ الرجال لمعاونتها بعد سماحِ الحكيم لهم. أبعدُوا كلّ ما أتى في طريقهم حتى عثرت على يديه المعقودة مشدودة ومتصلبة إلى الأعلى بانتظار الغيثِ.
جرته السيدة بكامل قوتها كما لو أنها شابة يافعة، استخرجت هايدن الهلع وعيناه لا تقدرُ على الثبات إنما عيناه تتحركُ في كل الاتجاهات وصدره ضاق إلى حد الاختناق، لا يُتخيلُ أنهُ يتنفس، يرى ويشعر فهمس قائلا "أنا حي"
ردّتْ عليه العجوز قائلة "لا عليك أنت بخير، أنت على قيد الحياة" تأملت حالهِ الفزع بشفقة، وهو يلتفتُ حوله نحو الأهالي الذي كانوا يغنون لمراسيمِ الحرق.
"أنا على قيدِ الحياة؟!" قالها هايدن غير مصدق من هول صدمته واعتصر مئزر السيدة يحادثها، ضمّت رأسه إلى صدرها تحتوي جسده الذي يرتجف ولهاثهُ الذي يسمع من في القرى المجاورة "هون عليك"
وجهت العجوز حديثها إلى عزيز قريتها قائلة "حضرة الحكيم، هناك سوء فهم، هذا الشاب يكون حفيدي" بقي الحكيم صامتًا يحدّقُ بها، لم يحتمل مايكل نجاة هذا الشيطان واعترض قائلا "ما أدراكِ إنهُ حفيدك؟! ليس بالبعيد أنه تشكلَ في هيئتهِ وخدعكِ!"
"حتى إذ لم يكن شيطانًا فهو مدنّس، لا نعرفُ من مسّه من الشياطين أو الوحوش في طريقه إلى هنا!" تقدم السّيد فايلد يُحذّرُ منه لكن الحكيم رفع أصبعهُ يشير إلى السّماءِ الملبدة بالغيوم فوق رؤوسهم "مهما كانت هويته سيكشفهُ المطر الآن" أفرغت الغيوم حمولتها تغسل الأرض من آثار الشياطين والأرواح، ترقب الجميعُ هايدن بفارغ الصبر ينتظرون ما سيحل به، هل سيذوب أم سيتقرحُ جلده لكن لم يصبه أي من هذا بل ظل عاجزًا لا يعرفَ الخروج من اللحظةِ التي قابل بها ملك الموت وجها لوجه.
أبعدت الجدة رأس هايدن تراه سليم الحال وهو بدوره حدّق بها وحادث هايدن نفسه لا يُصدّقُ أنهُ نجى "أنا حي"
قال الحكيم بعلو صوته يُسمعُ من لم يسمع "ها قد تكفلتْ السّماء بكل شيء، يمكنهُ دخول قريتنا ونحنُ آمنون!" الإذن الذي قدّمهُ الحكيم محى كل الريبة والخوف من قلوبِ الأهالي. تبلدّت وجوههم إلى أخرى فرحة كأنهم في عيد والتهاني انهالت على الجدة ميلينا بنجاة حفيدها.
"دوريان" حادثَته الجدّة لكن تركيز هايدن المشتت ورأسهُ الذي يرتجفُ باستمرار لم يكن موجهًا نحوها بل نحو شخصٍ يقفُ بعيدًا عن أنظارِ الجميع يختلسُ النظر وقد كانت الفتاة الحافية القدمين...

.png)
اترك تعليقا اذا اعجبتك القصة