الفصل الثالث عشر
بعد تلك الثروة التي جنتها عائلة إيفان واللقب النبيل الذي لحِقَ باسمهم، تصرف كُل واحد منهم بثروته، فمنهم الذي صرفها ببذخ ومنهم من حفظها دون استعاملها خشية أن تنفذ، أما إيفان فقد استثمر بما لديه وقام بتعمير المزرعة ثم وظف فيها عُمالا وبالذي بقي عنده من ذهب اشترى قطعة أرضٍ فيها قصرٌ بهيُ الحال.
فعالياته الأخيرة تقصد القيام بها مع اقتراب مراسم الزفاف الملكية ويوم سفره كان سيصادف يوم الزفاف، تلك الخيارات اتخذها إيفان نية الهرب من هواجسه التي سببت له الأرق فالبقاء مع غالينا في نفس المدينة لم يكن بالقرار الصحيح ابداً. هو حاول مراتٍ عديدة عدم التفكير فيها وفي كل مرة وجد عيناه تنظر في الأفق ناحية القصر نية رؤيتها أو الشعور بوجودها.
أما غالينا وبعد حلول الليل طمست ريشة في وعاء الحبرِ وكتبت دعوة إلى إيفان، ظاهرها مجرد دعوة عادية للزفاف وباطنها رسالة تطلبُ منه زيارتها وفيها طريقٌ يوصله إلى غرفتها. هي أرادت محادثته تحت حُجةِ توبيخه على كذبتهِ لكنها في الحقيقة أرادات رؤيته وتفقد حاله بحُكمِ اشتياقها له.
فذلك القيصر لم يحصل على اعجابها ابداً، رغم تقديمه الطعام لها بملعقة من ذهب ولأجلها وهبها من الأراضي الكثير. لقد كان اسم إيفان وهيئته لا تفارقها وكم تمنت رؤيته، غالينا بالفعل قامت بدعوته لكثير من المناسبات الملكية بحُجة كونه دوقا إلا أنه لم يُلبي أي دعوة من دعواتها وهذه المرة هي اقسمت على كونها المحاولة الأخيرة.
"خذيها لهذا العنوان وحذاري أن يعلم احدٌ بأمر هذه الدعوة" سلمت غالينا الرسالة لخادمتها الخاصة وأكدت عليها أن تصل الدعوة إلى إيفان شخصيا.
"بالتأكيد سأفعل يا سيدتي" انحنت الخادمة باحترام لسيدتها ثم خرجت من القصر قاصدة ذلك العنوان.
استرقت غالينا النظر عبر نافذة غرفتها تراقب خادمتها وهي تستقل العربة التي تقف في انتظارها وفي داخلها كانت تدعوا أن يُلبي إيفان طلبها ويأتي لرؤيتها الليلة، فعن طريق الخطأ امست لا تنفك عن التفكير به، حتى تطور الأمر لمرحلة من مراحل الهوس دون أن تشعر.
أما تلك الرسالة فلم تصل الى إيفان إنما وصلت إلى ابن خالته إليا، فلقد علم بأمر تلك الخادمة إذ قابلها عن طريق الصدفة كما يزعم، دون ذكر أنه تتبعها لما رأى أنها ترتدي ثياب الخدم الملكيين وسألها عن سبب قدومها إلى أملاكهم.
ابلغته بسذاجة أنها تبحث عن إيفان وقالت؛ أتيت مبعوثة إلى الدوق إيفان، فسيدتي غالينا أرسلت إليه دعوة بمناسبة زفافها ودعني اخبرك بسر، لقد اخفت بين طيات الدعوة رسالة تحوي طريقة للوصول الى غرفة نومها. لم يخيل لي ابدا ان ملكتنا الجديدة دنيئة النفس، خائنة لزوجها.
طار عقل إليا وتدحرجت عيناه من هول ما سمع ولم يلبث كثيرا حتى تملكه حقد شديد على إيفان، ذلك المعتوه الذي سيورطهم شر ورطة مع القيصر، لم يتحمل إليا فكرة خسارته جميع ما حصده من ثروة ومكانة وقال نية الإفساد بينهما؛ انظري يا فتاة، إن إيفان سيُسافرُ صباح الغد، مُغادراً العاصمة خوفا من أن تُكشف جريمته البشعة.
"أيُ جريمة تلك التي دفعته ليهرب؟!"
اقترب إليا من الخادمة وهمس لها؛ لستُ واثقا من البوح بهذا السر لكن حضرتك تبدين آنسة قادرة على حفظ الأسرار.
"بالتأكيد سأفعل"
"إذا انصتي لي؛ لقد ارتكب إيفان جريمة لا تُغتفرُ يا آنسة... لقد كان يخون القيصر مع السيدة اثناء رحلة الشهر ونصف الشهر، اقترفا من الخطايا الكثير وقد رأيتهما بأم عيني لما مكثنا في نُزل... إدعى إيفان وقتها خروجه لتفقد الاحصنة في الاسطبل ولما خرجتُ للبحثِ عنه، سمعتُ صوت رجلٍ يأتي من غُرفة السيدة... سولت لي نفسي اختلاس النظر عبر قُفل الباب خوفا عليها لكنِ وجدتهما يختليان ببعضهما البعض، جسدا فوق جسد دون ثوب يسترهما ولأصدقكِ القول لم تكن غلطة السيدة غالينا فلقد أغواها ذلك الشيطان المدعو بإيفان"
تبسم إليا لما رأى الخادمة قد صدقت كل حرفٍ نطق به فأكمل؛ إني اشفقُ على السيدة فبعد أن قام بتدنيسها ها هو يفر هاربا لبدأ حياة جديدة والزواج من امرأة أُخرى.
غطت الخادمة فمها مُنذهلة مما تسمع ورغم أنها قطعت وعدا على إليا بأن لا تبوح للسيدة غالينا بحرف واحد مما قاله إلا أنها افشت سر مغادرة إيفان للعاصمة بهدفِ الزواج كي ترى الحزن يتملك غالينا عسى ولعل أن تكون قرصة اذن لها فتكف عن ارتكاب الفاحشة مع ذلك الدوق كما زعم إليا.
في تلك اللحظة رأت غالينا في عيني خادمتها خبثا وشماتة لذا وبحكم كونها زوجة القيصر المستقبلية، اذنت لنفسها بعقاب تلك الخادمة ان صفعتها وأمرت بحرمانها من الطعام والشراب ليوم كامل حتى تتعلم الأدب، لكن تلك الخادمة عديمة العقل، ذهبت الى القيصر تشي له امر زوجته الخائنة في الليلة التي تسبق زفافه ومن تلك الساعة قامت القيامة على غالينا وباتت حياتها جحيما.
فالقيصر كان في نيته اكرامها بالأراضي مقابل ما تخرجه يداها من كنوز ولما وصله خبر الفاحشة التي كانت تقوم بها مع ذلك الفلاح، توعدها أشد الوعيد ولم يعد قلبه العجوز يهتز أمام دموعها التي تذرفها أمامه ولا نحيبها الذي يعلوا من غرفتها.
ذلك الزفاف الكبير لم يتم وغالينا عوضا عن ارتداء الأبيض في اسعد أيام حياتها تم اقفال غرفتها عليها فلا يراها أحد سوى القيصر.
وفي إحدى الأيام المشؤومة، صاح بها القيصر وقبض على معصمها يهزه رغبة في ان تخرج له المزيد من الذهب وغالينا لم يعد لها مكان لتقف فيه فقد ملئت له القاعة الملكية بالكثير والكثير من العملات الذهبية والاحجار النفيسة "دعني فلم يعد بوسعي صنع المزيد، الا يكفيك ما ملئته لك من صناديق!"
"كيف لكِ عصياني انا القيصر! ألم اُطعمكِ وأُلبسكِ وأستر على فضيحتك! عليك تعويضي عما تعنيته لإيجادك طوال السنين الماضية! لأجلك خسرتُ وضحيتُ بالكثير!"
"لم اطلب منك ايجادي!" صاحت به وانقذت معصمها من قبضته لتفر هاربة لكن اين عساها تذهب وكل بلاطة في هذا القصر الفسيح ملكٌ للشيطان نفسه.
"هذا هو جزائي لإظهاري الرحمة؟! يا حراس عليكم بها!" تخلت غالينا عن زوجي حذائها كي تتمكن من الجري اسرع قبل ان يمسك بها احد وفي احدى الممرات تسللت لتختبأ داخل حجرة فارغة ولما التفتت خلفها وجدت خادمة تقوم بالتنظيف. جحضت عينا الخادمة لما رأت حالة زوجة القيصر صاحبة الجمال الفاتن باتت امرأة أخرى تثير الفزع؛ سيدتي؟!
"ششش! اياك وإصدار صوت"
امسكت غالينا بيدي الخادمة تتوسلها "ارجوك لا ترفعي صوتك فيعثروا علي...انظري سوف اعطيك الكثير من الذهب فقط ساعديني ولا تتخلي عني" اغرقت عينا غالينا بالدموع وملئت كفي يديها بالياقوت والزمرد؛ انظري، انظري هذا كله لك اذا كنتِ عونا لي.
فزعت غالينا لما سمعت أصوات الحراس وترجت الخادمة ان تخبرهم بعدم وجودها في هذه الغرفة، اومئت الخادمة لها وخرجت من الغرفة للقاء الحراس وبينما كانت غالينا تهم بالاختباء سقط قلبها في اخمص اصبعها لما سمعت صياح الخادمة؛ انها هنا! ان السيدة تختبأ هنا!
التفتت غالينا خلفها الى عدد الحراس الذين ولجوا الى الغرفة وبينهم كان القيصر واقفا كله خيبة امل من تصرفها؛ لماذا تصرين على جعلي غاضبا رغم اني في كل مرة أحاول جاهدا ان أكون جيدا معكِ؟
"لا تقتربوا مني، لا تمسوني بسوء! .. سوف اهبكم من الذهب الكثير فساعدوني" صنعت ذهبا لكن سلطة القيصر تعلوا على سلطتها، ودون تردد نفذوا ما امرهم به القيصر، اذ قاموا بجرها وسط مقاومة شديدة منها لكن جوعها اهلك بدنها ولم يكن بوسعها سوى رؤية باب غرفتها يقترب لتعلم انها ستُحبس مجدداً ولا أحد سيشفق عليها بل ولن يسمع عنها أحد كما لم يسمعوا عنها بعد الزفاف...
داخل القصر كان حافلا بالكثير من الفعاليات المرعبة وحياة الزوجين لم تصبح كما كانا يرغبان، أما عن خارج القصر فالأيام الهادئة استمرت بالمضي وبعيدا عن العاصمة، نحو الأراضي الشاسعة كانت الدوقية التي اشتراها إيفان تمر بكثير من الفعاليات أيضا، لكن ليس من ذلك النوع المرعب إنما أُخرى شيقة.
فوالدة إيفان وجدت لابنها الحبيب زوجة، شابة حسناء من نفسِ عمره. ذاتُ شعر بلون القمح وقت الحصاد، تحمل لقب بارونة ورثته عن أمها التي توفت في عمرٍ مبكر.
ولقائها بتلك الشابة التي تدعى ميري كان عن طريقِ الصدفة، فقد كانت والدته برفقة زوجة ابنها في رحلة تسوق وعن طريق الخطأ تقاطعت طرقهما، إذ انخلعت عجلة عربة عائلة سيمينوف وتوقفت في منتصف الطريق المؤدي للبلدة.
هناك استوقفت والدة إيفان السائق وعرضت عليهم ايصالهم إلى وجهتهم وريثما هم يتحدثون اعجبت والدة إيفان بالآنسة ميري التي كانت تجلس بهدوء إلى جوار زوجة ابيها، ففتحت والدة إيفان موضوع امتلاكها ابنا شابا من نفس عُمر ميري تبحث له عن زوجة وأم ميري اقترحت عليها ابنتها وهكذا تمت القسمة.
تم الاتفاق بين العائلتين على الزفاف وإيفان قابل ميري مرات عديدة قبل أن تعود مع عائلتها إلى العاصمة فهم أتوا إلى الدوقية لزيارة قريب لهم.
بالطبع هذا ما قالته السيدة سيمينوف التي اخفت نواياها الحقيقة، فلقد انتشر في الأوساط الاستقراطية خبر تلك العائلة التي اشترت الدوقية مؤخرا وقد قيل عن ابنهم الأصغر أنه رجلٌ مقربٌ من القيصر لذا بات مطمعا لكثير من الأمهات.
أجل وقعوا في الطُعم لكنهُ كان طُعما جيدا بالنسبة لوالدة إيفان ومع اقتراب موعد الزفاف قام السيد سيمينوف بدعوة إيفان لزيارتهم في العاصمة والحديث عن تفاصيل حياة ابنته بعد الزواج كالملبس والمسكن.
"يا بُني قف عندك ودعني أرتب شعرك، عليك ان تبدوا بمظهر لائق فلم تعد فلاحا إنما دوقا الآن" استوقفته والدته كي تعيد ترتيب شعره ولما رأت التوتر متجليا في عينيه قالت؛ لا عليك يا فانيا ولا تحزن على الفراق، غدا زوجتك من ستلبسك وترتب مظهرك لدرجة أنك ستنساني.
كلامها لم يكن في محله ابدا ولم يسع إيفان إضافة المزيد، فكيف له ان يتلفظ بما يُعكر عليها صفوا مزاجها، ثم هو لم يكن يجرؤ على الحديث وزوجات اخوته جالسات على المائدة ينظرن له بغيض واخوته لم يختلفوا عنهن. أيضا بعضُ من خالاته أدين واجب الزيارة لذا محرمٌ عليه عصيان والدته أمام شقيقاتها حفاظا على كرامتها ومكانتها بينهن.
الزوجات كن متحسرات على الهدايا التي حصلت عليها ابنة عائلة سيمينوف تلك، فهن تزوجن لما كانت العائلة فقيرة لا تملك قرشا والرجال كانوا حاقدين على إيفان، فالمدعوة ميري كانت نحيلة البدن، طويلة القامة ومليحة الوجه في حين ان زوجاتهن العيوب تملئهن من رأسهن حتى اخمص اصبعهن.
فالأولى تهدلت اثدائها بعد ان ارضعت ستة من أولادها والثانية تبدل لسانها الحلو إلى آخر سليط، توقظ زوجها بجزمة وتمسي عليه بجزمة.
الثالثة كانت اسنانها سيئة النظام تفوح من فمها رائحة كريهة وفي ليلتها الأولى مع زوجها لما تبسمت وافصحت له عن حبها رفض زوجها معاشرتها الا بعد ان اغلق فمها بكف يده.
الرابعة كانت كزوجها حولاء العينين لكنه تملكه الغرور ظنا منه انه اشد منها جمالا، ولولا حاجته المفرطة لزوجة تلبي له احتياجاته لما وافق عليها وفي كل مرة قبل ان ينزع ثيابه ويهم بها يخبرها ان تغمض عينيها متحججا ان الحياء يعتريه.
الخامسة هجرها زوجها في الفراش بسبب امتلاكها لست أصابع والسادسة لم تكن قادرة على الانجاب، ليس بسبب عيب يصيبها بل لان زوجها عاجز عن الاقتراب منها أما الأخيرة والتي تزوجت قبل ثلاث سنين هجرت زوجها وفرت برفقة عشيقها من القرية المجاورة.
"امي المعذرة، علي المغادرة الآن خشية أن اتأخر عن موعد اللقاء كذلك شكرا لكم لزيارتنا في هكذا يوم"
"بالطبع سنأتي يا إيفان، زواجك قريب والقصر يلزمه الكثير من التعديلات" تبسمت زوجة بوريس بود لإيفان عكس زوجها الذي كان يكره شقيقه الأصغر.
"إذا احتجت بيتا للمسكن فيمكنك المكوث في دارنا، رومان والأولاد لازالوا في العاصمة بسبب عملهم"
"إني منون من كرمك، سوف أغادر الآن وأمي أوصلي سلامي لأبي"
"أوليغ قادر على فعل ذلك"
"لما أنا من عليه التحرك؟ أرسلي آخر غيري"
غادر إيفان تاركا إياهم يكملون نقاشهم واستعجل الخطى مسرعا نحو العربة وسائقها الذي ينتظره في الخارج، دون أن يعلم بأمر والده الذي يراقبه عبر النافذة يتأكد من وصوله آمنا للعربة، فبعد آخر نقاش حاد حظيا به هو لم يعرف كيف يحادث ابنه مجددا من شدة خجله من نفسه.
"إني لشديد الأسف على تأخري"
صعد إيفان الى العربة حيث كان إليا يجلس مُجهِزا باقة من الورد وصندوقا فيه قلادة من الزمرد، قد دفع إيفان ثمنها مسبقا وذهب إليا لاخذها من التاجر؛ ما بالي أراك متوتراً، لكن اعذرك فمن قد يقف كامل العقل بعد أن رضيت به امرأة بجمال الآنسة ميري، لا تقلق سأشغل والديها وريثما انتما تتسامران في حديقة منزلهم انتهز الفرصة واعطها قبلة ما قبل الزفاف.
"في الواقع، كنتُ افكرُ أولا بالمرور على مزرعتي ورؤية دجاجاتي قبل زيارة عائلة سيمينوف"
"من فضلك اخبرني أنك تُمازحني! أقول لك أن تنتهز الفرصة وتقوم بتصرفٍ شقي مع خطيبتك وأنت تقول لي تريدُ زيارة دجاجاتك؟!"
"لا ترفع صوتك عليَ" توقف إيفان عن الحديث وكاد أن ينطق بشيء لا يناسب هذه اللحظة لكنه سحب لسانه ثم قال "ثم إني قمت بتقبيلها تحت إلحاح والدتي قبل مغادرتها الشهر الماضي"
تعجب إليا من هذه التفاصيل التي لم يبح بها إيفان مسبقا وسأله؛ هل حقا فعلت؟
"أجل، أمي أصرت علي أن اقبلها قبلة وداع لا تنساها، فقبلت يدها" قال إيفان.
"قبلت يدها؟ ا هذه هي قبلة الوداع كي لا تنساك؟ رباه! فانيا أيها الأبله إني اعرض عليك أن تقبل شفتيها!"
انتقل بصرُ إيفان لإليا وبتعابير باردة قال "لا أريد أن تنتهي الليلة بي وأنا ملقيٌ خارج منزلهم"
"لما عساها تطردك؟ هي سيعجبها الأمر ولن تشي بك لوالدها، ستقتنع انك رجل حقيقي لا تخاف ثم قل لي، هل يوجد رجل في العالم يقال له لما لا تقبل خطيبتك فيرد بهذه التعابير الباردة؟ الطبيعي أن تلتهب من حماس الفكرة"
جمع إيفان ذراعيه ضد صدره متجاهلا حديث إليا وحدق بالبلدة قد تركوها خلفهم؛ كنتُ سأتحمسُ لو كنت سأقبل السيدة غالينا.
"ماذا قلت؟"
"لم أقل شيئا"
"آمل أنك تعرفُ كيف تُقبل على أي حال وإن لم تكن تعلم كيف، يمكنك مناداتي لأقبلها عنك فأنا معتاد على انجاز كل ما انت فاشل فيه والاكتفاء بالبقايا التي تتفضلها علي" همس إليا آخر حديثه كاتما غيضه فلقد تمنى ان يكون هو الرجل المحظوظ الذي سيكون زوجا للآنسة ميري كي يغدقها بالقُبل والعناقات.
"إليا هل هناك طريقةٌ لألغاء هذا اللقاء؟" سأل إيفان بعد ممارسته صبراً دام شهرا كاملا، فبعد مغادرة عائلة سيمينوف لم تتوقف والدته وجميع من حوله عن الحديث حول الزفاف، أي أجل هو حاول تقبل الواقع والمضي في حياته مع امرأة أخرى لكن على الأقل ليجدوا له واحدة تناسبه، قادرة على جعله ينسى سيدته.
لم يبدي إيفان رأيهُ في البداية ظنا منه أن احاديث الزواج هذه مجرد موضوع عشوائي يطرح وسينتهي، لكنه صُعقَ لما وجدت والدته واحدة ومن عدد المرات التي قال بها نعم لم يعد له مجال ليقول لا وليلغي الزواج.
خشي إيفان التسبب بالمزيد من المصائب لعائلته لذا عزم إلتزام الصمت رغم عدد المرات التي سألته والدته هل انت متأكد أو هل انت موافق ولما أبدا عدم الرفض بدأ مشوار ترتيبات الإرتباط ذاك.
"ما الذي تتفوه به؟!"
"لستُ في المزاج للقاء الآنسة ميري، إن لقائها يحتاج رجلا بكامل تركيزه و وعيه وأنا لست بحالة تسمح لي بالانصات لحديثها المتواصل عن قريباتها اللواتي يرتدين اثوابا جديدة كل شهر من خياط فرنسي شهير"
"لا تقل لي انك ستمسي بخيلا بعد ما جنيته من ثروة، اعطها ما تريد فهي آنسة مرهفة المشاعر لم تضع يدها في ماء باردٍ يوما"
"إليا انت تعلم اكثر من أي أحدٍ أن النقود لا تقف أمام عيني، أُعطيها ما تريدُ طالما كنتُ قادراً فمن قبلها دخلتُ غابة ستراشني لأجل عائلتي"
"على رِسلكَ ما بالك ضيقَ الخُلق كالثور؟ هل هو نفسُ الموضوع مجدداً؟ انت تعلم أن رغبتك ..."
أراد إليا اكمال حديثه لكن النظرة على وجه إيفان اوقفته وقرر التزام الصمت؛ هل هذا ما نستحقه مقابل محاولتنا لمساعدتك؟ تمتم إليا بتذمر ولم يوجد ما يجعله يصبر على مجالسة إيفان سوى الآنسة ميري التي سيراها.
أوقف السائق الخيول الأربعة عند دار الآنسة ميري سيمينوف بعد ثلاث ليالي ويومين من السفر واستقبل والدها الشابان بسعادة فمن عساه يغدقُ ابنته بالمجوهرات والهدايا بل ويغدقه هو وزوجته بالعطايا فإيفان اشترا لهم المنزل بأثاثه ولأجل ميري اشترى دارا في دوقية الدوق فولكوف.
كان الاستقبال حارا وكي يحظى الخطيبان بخصوصية أشارت السيدة سيمينوف لزوجها بتركهما وحدهما متحججة بإعادة النظر في دعوات الزفاف.
"أهلا بك يا إيفان، كيف حالك؟ آمل أن الطريق لم يكن متعبا" قالت ميري ما حفظته من زوجة أبيها.
"بخير شكرا على سؤالك أما عن الرحلة، فلابأس لم تكن بذلك السوء.. إليا كان خير رفيق لي فلم أشعر بالضجر"
"إنه كذلك بالفعل" تبسمت ميري ولم تعلم ما تقول بعدها ليعم الجو صمتٌ غير مريح. كان في نية إيفان تقديم القلادة لها، لكن إليا استعجل بالكشف عنها؛ تفضلي يا آنسة سيمينوف، إن هذه الهدية من اختياري فإيفان ليس فطينا باختيار الحُلي التي تُعجبُ النساء.
"إن هذا لطف منك يا سيد إليا" قبلتها ميري دون رفض وإليا لم يكف عن الثرثرة حول ذلك التاجر وانتقل في حديثه يسردُ لها ما جنياه من ثروة مقابل خدمة القيصر وكيف ائتمنهما على احضار عروسه الجميلة.
"وهل كانت شديدة الجمال؟"
"انها كذلك يا عزيزتي ميري" قال إليا متوددا لها دون خجل.
"ماذا عنك يا إيفان، هل هي أجمل مني؟"
طيف خاطف مر في ذاكرة إيفان ينعشها، معيدا إياه لتلك الليلة في الكوخ لما حكى لغالينا عن امرأة هو يحبها وهذا كان أول سؤال تسأله أيضا، ألا وهو هل هي أجمل مني..
زم إيفان شفتيه واخفض عينيه خشية أن ترى ميري ولعه المفرط بالسيدة غالينا وقال محافظا على الهدوء في صوته؛ إنها سيدة جميلة أجل لكن نسيت أمرها بعد أن رأيتُ حضرتك يا آنسة سيمينوف.
تبسمت الآنسة ميري برضى عن جوابه واعادت اهتمامها إلى إليا الذي كان يتسامر معها ويغدقها بالمديح من حين لآخر، عكس إيفان الذي كان قليل الكلام وكلما سألت ميري عن السبب قال إليا أنه رجل خجول لكنه سينفتح ويصيبها هي بالخجل بعد زواجها منه، لم يهمها حاله بقدر ما كانت متطلعة للهدايا التي سيكرمها بها بعد زواجهما.
فهي كحال باقي الشابات في عمرها لم يكن لهن إطلاع واسع بما سيخضنه بعد انتهاء مراسيم الزفاف وما تملكه من أحلام يتمركز فقط حول عيش حياة كريمة فيها من الرفاهية الكثير.
فمنذ أن فتحت ميري عينيها على هذه الدنيا والقيصر يسلبُ النبلاء كنوزهم ومن أصبح ارستقراطيا في يوم أمسى خاويَ الجيوب بسببِ ذلك القيصر، لذا لما رأت إيفان يحمل لقب دوق وله مكانة مقربة من القيصر وافقت عليه رغبة في أن تعيش بعضا من الرفاهية التي حُرمت منها.
كان إيفان منشغلا عنهما بسبب طيف سيدته الذي لا ينفك عن مراودة عقله، إلى أن قرر اخيراً وبعد نزاع مع ذاته استخراج ذلك الخاتم من بين طيات ياقته والمسح بإبهامه على جوهرته، رغبة في رؤيتها فمنذ تلك الليلة أقسم أن يحرم نفسه رؤيتها عله ينفك عن التفكير بها.
تشكلت هيئتها على الحجر وقد كان ينتظر رؤيتها مغمورة بالمجوهرات تأكل من الطعام ما لذ وطاب وخشي إيفان رؤيتها وهي في فراش زوجها لكن ما رأه كان عكس ذلك كله، لقد كانت جاثية عند بابٍ تضرب عليه بكلتا يديها لا تكفُ عن الصياح، ثيابها وحالها لم يكن يوحي بأي شكل من أشكال الرفاهية وبدنها كان نحيلا على عكس مايذكر.
احس إيفان بماء بارد يُسكب عليه اخذا منه ادراكه ولم يفق إلا على نداء إليا وميري اللذان يلحقان به فقد كان يسير بخطى مستعجلة نحو باب المنزل نية المغادرة. فها هو في العاصمة وما الذي سيمنعه الآن من رؤيتها.
فالقيصر كان رجلا بعيدا كل البعد عن الإتزان الفكري وإيفان لازال يذكر اللقاء الأول، عوضا عن تركِ انطباع حسن هو أمر بزج غالينا في السجن وتجريدها من حُليها وثيابها فيا ترى ما الذي عساه يفعله بها هذه المرة...
"إيفان! يا إيفان إلى أين أنت ذاهب!" توقفت ميري عند باب منزلها لكن إليا اكمل لحاق إيفان وقفز إلى العربة خلفه متسائلا؛ ما بالك خرجت هكذا دون قول شيء؟! ما الذي اصابك يا رجل!
" سيد إيغوركوف قُد العربة إلى منزلنا القديم" اكتفى إيفان بقول ذلك دون الاكثار بالحديث ولما وصل الى منزله في القرية نزل من العربة مستعجلا الخطى وساكنوا المنزل من العمال تعجبوا من زيارة سيدهم المفاجئة.
توجه إيفان الى غرفته التي اوصدها بالمفتاح حين مغادرته ثم أغلقه خلفه وكشف عن صندوق خشبي احتفظ به في خزانته، استخرج مفتاحه الذي يخبأه في جيبه، ادخله في القفل مصدراً صوت تليك ومن ثم قال؛ يا قصاصة الورق تعالي.
تمايلت قصاصة الورقِ بشكل سحري داخل الصندوق ثم صعدت إلى كفِ يدِ سيدها؛ أريني الطريق الى السيدة غالينا.
حلقت الورقة من كف يده وعوضا عن ان تذهب الى الباب التصقت بغمد سيفه الذي يحتفظ به، لم يفكر إيفان عن سببب احتياجه للسيف إنما اخذه دون تفكير مخفيا إياه تحت قفطانه الأخضر.
كان يسير مستعجلا وحالما خرج من منزله استأذن سائق العربة أن يأخذ فرسا مقابل سبع عملات ذهبية. امتطى إيفان الفرس وحثه على الجري إلا أن إليا قفز متمسكا باللجام يتوسله للحديث وقدماه تستعجل الخطى بسبب الفرس الذي يسير مُسرعا؛ إيفان، يا إيفان اخبرني ما أنت فاعل؟!
ذاق إيفان ذرعا وصاح به؛ لرؤية سيدتي غالينا!

اترك تعليقا اذا اعجبتك القصة