illynaz illynaz
recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

اترك تعليقا اذا اعجبتك القصة

  1. واو يا رومان ارجع فوضى عارمة صارت😭😭😭

    ردحذف
  2. حزنت جدًا على ريكو مره حزنت، وكيف حضنته بيلا دموع😭

    ردحذف
  3. مؤشر عدم الارتياح من فرانكو عندي في ارتفاع😭

    ردحذف

لا تخبروا زوجتي؛ الفصل الخامس عشر

 



ومع اقتراب منتصف شهر يونيو، بدأت التجهيزات لسدل الستار عن الفصل الثاني من الرواية كما اسدل الستار عن الفصل الأول، الذي بدأ في ليلة ممطرة من ليالي تموز الحارة وانتهى بخريف أيلول؛ يوم زواج السيد والسيدة دي كارلو.

ولم تبدأ احداث نهاية هذا الفصل إلا بغياب نيكولو، مالك رقعة الشطرنج -العائلة- الذي ولى رعايتها ووصايتها لابنه ريكاردو والذي بحكم سذاجته وقلة نباهته، غفل عنها. فتداعى نظام الأسرة أمام عدوهم الذي يتربص بهم وأول خطوة من خطوات الحيلة التي ستهدم هذه الأسرة، هي لما غادرت بيانكا منزلها خلسة وفي قبضتها تلك الرسالة آمله برؤية صاحبها.

والذي كما وعدها وقف ينتظرها فوق جسر البحيرة وكل تارة تفحص ساعة يده ولما اجتاز الميل الموعد واقترب من الساعة الثانية بعد منتصف الليل، تنهد بقلة حيلة ليقينه أنها لن تأتي وهم بالمغادرة لكن صوتها المنادي واللهفة في حنجرتها استوقفته "فرانكو!"

التفت المدعو فرانكو، والذي كان شابا طويل القامة، داكن العينين، فنزع يديه من جيوبه ومد ذراعيه مستقبلا إياها، حبيبته التي ارتمت في احضانه من فرط شوقها وولعها به "فرانكو، آه يا فرانكو"

"ميو كارو" ناداها ملقبا إياها بحبيبتي وأكرمها بالقبلات الكثيرة، فهما وإن كانت اخلاقهما دنيئة للبعض؛ إلا أنهما كانا عاشقين قد أكرها على الفراق لما يفوق الست سنوات "كم ظللت حائرة وخائفة لكن احتفظت ولو ببصيص أمل، لربما تكون أنت والحمد لله الذي رزقني رؤيتك مجددا، فالحكم بحقك كان مؤبدا وعزمت في نفسي على الموت متعففة"

"لا تدعي لسانك ينطق بما يحزن الفؤاد يا بيانكا، ها أنا هنا أمامك وانت يا حلوتي بين ذراعي"

"وهل أفرج عنك القانون يا فرانكو؟"

"بل أفرجت أنا عن نفسي"

شهقت بيانكا وابتعدت عنه من هول ما قال، تلفتت حولها برعب من أن يسمعهما أحد وقد غطت فمها بيدها ثم سألته بقلق وكلها أمل بأن يكذب ظنونها "هربت من الحبس يا فرانكو؟!"

"أقلعي عن هذه النبرة يا بيانكا، تخاطبيني وكأني رجل طبيعي بل وتتحدثين كما لو أنك امرأة طبيعية، إني سليل عائلة بآلديني وانت سليلة دي كارلو" اقترب منها ليطيب خاطرها ويمسح على وجنتها التي تصبغت بالحمرة من قسوة برودة الجو "السنيور بآلديني قد قرر إخراجنا ففعلنا، ومنا من غادر روما لكن لم أستطع، لم أستطع مغادرة هذه الأرض التي تعيشين فيها وغايتي واضحة هذه المرة يا حلوتي، إنها انت"

"ماذا تعني بقولك هذا؟"

"ما أعنيه هو أني سألبس هذه اليد خاتما سيمحو عنك اسم دي كارلو ويهبك اسم بآلديني"

كم كانت فرحة بيانكا شديدة ولقد رأت الدنيا تبتسم بوجهها أخيرا لكن طيف أخيها ورفضه المجحف لطم أحلامها، فبهتت فرحتها وطأطأت رأسها "إن كلامك حلو يا فرانكو لكنه مستحيل" هزت رأسها بقلة حيلة "فكيف لك الظهور بوجه أخي وهو من ألقى بك في السجن" مسحت على جبينها وجلست على حاجز الجسر بينما تمضي أمام عينيها وجه شقيقتها أدرينا التي ستحقد عليها "وكيف لي أن اصارح أدرينا بحبي لك بعد ما فعلته بزوجها... لقد تركته ضريرا لا يقوى على المشي"

"ألا زلتي تكذبيني وتصدقين كلب الحراسة ذاك؟! كم مرة عليَّ اخبارك أن لا يد لي بعلة زوج أختك بل والملام هو الوغد ذاك وليس أنا! إني مظلوم، إن حبيبك مظلوم ولازلت تدافعين عنه؟"

لم تستطع بيانكا أن تجيبه بما يريحه، فهي تخشى على مشاعر اسرتها التي ستعاديها وفي قرارة نفسها ومهما بلغ حبها لفرانكو، إلا أنها موقنة أشد اليقين أنه ليس بالبريء الطاهر ومن منهم بريء طاهر على أي حال؟ فكل من تعرفه بيانكا يداه ملوثة بالدم واكثرهم هو اخوها نيكولو وزوج أدرينا المريض...

"بيانكا وإن رأيتني مجرد شيطان رجيم فإني لا استحي من ظنك ولا من نفسي، فأنا أعلم بحقيقتي وبحقيقة من حولي.. فما نحن إلا شياطين قد لبست ثياب الآدميين" كوب عظام وجنتيها وبإبهامه مسح عليها، يلاطفها ليذكرها بأنه مهما بلغت دنائه أخلاقه وأفعاله فسيظل هو الوحيد الذي أحبها بإخلاص.

وبيانكا كم كانت جشعة لحبه فأغمضت عينيها وغضت طرفها عن أفعاله، فلم تسأله عن كيفية معرفته بسفر أخيها ولا بالجيران الذي تغلغل بينهم حتى وصل إليها وإنما اعتبرته صدقا منه وإخلاصا لها، فوهبته قلبها كالعادة ولما تأخر الوقت واقترب الفجر أعادها فرانكو بنفسه لمنطقتها فسار متفاخرا فوق الأرصفة التابعة لآل دي كارلو بل وولج بكل غرور لبنايتهم.

"فرانكو، عد يا فرانكو فإني أخشى أن يمسك بك احدهم ويوصل خبرك لأخي"

"لا أحد منهم متفرغ لنا الآن، ثم إني لست خائفا منهم وثقي أني مستعد للقاء ذلك الكلب، لذا فليحضر متى شاء"

"فرانكو إني لا أمزح"

"ميو كارو" تودد إليها بكلمة حبيبتي "ولا أنا الذي أمزح"

حثها فرانكو على المضي في تسلق السلالم ووهبها قبلة وداع أمام باب الشقة حيث تمكث مع أخواتها ومن شدة فقدانها لذاتها غفلت عن يده التي توغلت في جيبها.

"هل سأراك مجددا؟"

"في القريب العاجل فلا تقلقي"

ودعها فرانكو وغادر البناية واثقا بما يمكر ولم يفطن بأمر زوج أدرينا، الذي وعن طريق الصدفة أزاح ستار النافذة، فوجد رجلا أجنبيا مكتنزا بثياب شتوية يسير عنهم مبتعدا فانتابه الريب واستذكر حديث نيكولو له قبل سفره. إذ أبلغه بوجود فأر أجنبي يحوم في الأرجاء ويكثر من التردد للمنطقة، مراقبا البناء هذا بالتحديد حيث يسكنون.

امسك زوج أدرينا والمدعو ب-جيوفاني- عجلتي كرسيه المتحرك وساقه للمنضدة القريبة من وسادته، فزلق الدرج واستخرج مذكراته ليدون فيها تفاصيل ما شهد عليه وبسبب عتمة الغرفة اضاء الشمعة فاستيقظت زوجته ورأته يدون مستعجلا كمن يخاف نسيان ما يفكر به.

"عزيزي ما الذي تكتبه في هذه الساعة من الفجر؟"

"ملاحظات مهمة لنيكولو"

"ملاحظات لأخي؟"

تبسمت أدرينا ورأت في زوجها الذي أهلكه المرض تشبثا بحياته من قبل أن يكون مقعدا، فدم دي كارلو يجري في عروقه وفي السابق كان يعمل جنبا لجنب مع لورينزو ونيكولو.

فكان نيكولو وريث دي كارلو هو الجلاد وهما مساعداه، لكن مساعده هذا قد اصيب بحادث فما عاد قادرا على السير ومع الأسف ما عادت ذاكرته تعينه لحفظ الأمور، فبات كثير النسيان لذا اضطر لتدوين كل ما يصيبه في اليوم ليقرأه لاحقا فلا ينسى.

"من يراك يظنك عدت للعمل، هيا عد للنوم وأقلع عما تفعل، فانت متقاعد الآن والمتقاعد لا يجب أن يفكر بالأيام الخوالي"

ولته أدرينا ظهرها وهو انتابه الحزن من حديثها، لكن حزنه لم يكن شديدا إذ أنه ما كان قادرا على تذكر أيام الخوالي تلك بشكل جيد. مجرد لمحات خاطفة لكنه علم في قرارة نفسه أن هناك عمرا قد ضاع أمام عينيه.

لذا اقلع جيوفاني عن الكتابة وركن كرسيه بجوار السرير، ليبدأ معاناة لا يتمناها لألد أعدائه، ألا وهي رفع نفسه من الكرسي والإرتماء على السرير. سمعت أدرينا تنهيداته الهائجة ثم زفيره وشتمه المستمر لحاله ولساقيه الهزيلة قبل أن يتمكن من التمدد أخيرا وإراحة ظهره.

تأمل حينها جيوفاني سقف غرفته الذي سئم منه ثم سأل متضايقا "لماذا لم يأخذني نيكولو معه في سفره، أما عدت أنفعه؟"

سمعته أدرينا لكنها لم تجبه بل تركته ليتحسر مع نفسه وهي ذرفت دموع الحزن على حالها وحال زوجها، الذي خسر نعمة شبابه في منتصف الطريق. فلا عاشت كباقي اخواتها مع زوج سليم ولا تنعمت بابن مهذب يطيع أمه، فابنها دانيلو لم يعد للمنزل إلا في ساعات الفجر الأخيرة وحاله كان يرثى له، فولج لمكتب والده وبحث في أدراجه خلسة عن نقود تذهب مصيبته.

وجيوفاني هذا كان بمثابة حجر الملكة في رقعة الشطرنج بالنسبة لنيكولو...

مشت بيانكا على رؤوس اصابعها بعد أن نزعت عنها معطفها ولما شعرت بخطوات أحد شقيقاتها ولجت للمرحاض وفتحت الصنبور فسمعت طرقا على الباب "بيانكا؟ هذه انتِ؟"

"نعم إنها أنا يا صوفي"

"إنك باكرة اليوم، جيد ما فعلتني لا تتأخري وتعالي لتساعديني في إعداد الطعام، سيأتي ريكاردو لتناوله معنا اليوم أيضا"

"حسنا سأفعل"

نزعت بيانكا عنها ثياب سهرتها ولما وجدت الردهة الضيقة خالية ولجت لغرفة نومها، فارتدت منامتها وما صنعته من ضجة أيقظ داريا التي تذمرت من صخبها واشتكت "اطفئي الضوء"

"لقد فتحته للتو فلا تتذمري"

"أوف! ألا يمكن للشخص أن ينام بسلام؟"

غطت داريا وجهها بالوسادة ثم تذكرت أمرا فأبعدتها وبطرف عينها رمقتها لتسأل مشككة "بيانكا"

"مم؟"

"يا ترى أين كنت الليلة؟"

"ماذا؟! بماذا تهلوسين؟ كنت في السرير هنا نائمة كالبغل معك"

"لكن وجدت فراشك خاويا"

"ذهبت للمطبخ لأتناول شيئا"

"لكنك لا تدسين في فمك لقمة بعد الثامنة"

"اوف! ما هذا الاستجواب يا داريا! تتحدثين كما لو أني اقترفت ذنبا! قلت لك أني نمت فلا تلحي ولا تزعجيني! ما أمر هذا المنزل؟! لم يعد فيه راحة!"

خرجت بيانكا بخطى باطشة وداريا استنكرت فورانها لكن نعسها غلبها، فعاودت النوم منتظرة أن يجهز الافطار، فهي لم تكن هذه الاخت التي تحب ان تتعب يديها بالتنظيف أو الطبخ، بل وآمنت أنه حفاظا على سلامتهم جميعا عليها أن تمتنع عن المشاركة في أعمال المنزل، فلا يتسمم أحد بطبخها أو ينزلق بسبب مسحها للأرضيات.

ولجت بيانكا للمطبخ غضبانة لتجد صوفي مهمومة كعادتها فتجاهلت أمرها وفتحت الدولاب لتبدأ نظامها الصباحي.

"بيانكا"

"ماذا؟" تذمرت من شقيقاتها اللواتي قررن تكرار اسمها كالببغاء بلا كلل أو ملل.

"يا ترى هل نيكولو مستيقظ الآن يتناول طعامه؟ أخشى عليه من ألا يعجبه الطعام في النزل حيث يقيم الآن"

"اختي اقلعي عن قلقك هذا، أهو طفل لتفكري بشأنه؟ ثم من يسمعك يظنه ذاهبا لعمل شريف وليس لصيد احدهم"

"يا ليته لم يذهب في هكذا طقس مريع ويا ليته صالح ابنه قبل سفره"

"لازال غضبانا عليه؟"

"أجل وهذا ما يحزنني فقلبي لا يحتمل سماع عزيزي ريكو وهو يشتم والده""

"صوفي، كفى... حبا بالله أما تعبت من حمل هم ذلك الأخ وابنه؟! دعي زوجته تحمل عنا همه، أما تزوج رغما عنا وزرعها بيننا؟ ليذهب عندها"

"ما بكِ غاضبة على أخيك هذا الصباح؟"

"وهل هو يفعل شيئا سوى اغضابنا؟"

"لكنه ما كان يغضبك قبل ستة أعوام" لمحت صوفي بينما تقوم بتنظيم المائدة.

"ما الذي تلمحين له؟"

"لست ألمح بل اقول أن اعصابك الحامية هذه اكتسبتها بعد أن ولج فرانكو للسجن فهلا أقلعتِ عن لوم نيكولو؟ فإنه يستحق ما اصابه"

"يستحق ما اصابه؟" تجمع الدم في وجه بيانكا من شدة حقدها فالأخ يظلم حبيبها والأخت تضحك شامتة به لذا فارت بيانكا وفعلت ما تجيده، ألا وهو الصياح. فلربما حينها سينصت أحد إليها "بالتأكيد ستدافعين عنه، وهل ستدافعين عن شخص غيره؟! رباه اقسم أنه لو كنتُ بكفة ونيكولو بكفة لاخترته هو.... إنك حتى اخترتِ نيكولو وفضلته على ابنك الذي هجرنا وتخلى عنا!"

"لا لم افعل، أنا لم اختر احدا مكان أحد وإني لأضحي بنفسي ست مرات أفضل من أن يمسكم ضرر فانتم اخوتي وما بقي لي من أسرتي"

"رباه يا صوفيا! كفي عن تقمس دور أمنا! أقلعي عن هذا من فضلك ولو يقلع نيكولو عن تقمس دور الأب أيضا لكان افضل لنا جميعا. نحن كبار وما عدنا بحاجة لهذا النظام العتيق! إني امرأة راشدة ولست بحاجة لأم تقومني أو أب يرشدني! لقد تجاوزت هذه الحاجة منذ زمن"

"وما أنا فاعلة لك إن لم تجدي بعد زوجا وتبني لك بيتا؟ انظري لأخواتك كلهم متزوجات ولهن ذرية، حتى نيكولو تزوج للمرة الثانية وانت لازلت بكرا في مكانك واقفة"

"الرحمة! الرحمة من هذه الوتيرة التي لا اطيق! انت لست أما لي وتعرفين تمام المعرفة عن أسباب تعففي"

"انسي فرانكو يا بيانكا فهو قد تعفن بالسجن وحكمه حكم المؤبد، فلن يخرج ليلبسك خاتما، انصتي إلي. هناك رجل طيب قد ذكره لي نيكولو وهو ذو أمانة والتزام عالي بالعمل وهو منا، يحمل دم دي كارلو فلما لا تنظرين في أمره؟ أوصاني نيكولو أن افاتحك بالأمر وأن آخذ منكِ ردا حتى يحادث الرجل عند عودته"

"ماذا؟!" فزعت بيانكا من أمر صوفيا ونيكولو اللذان بالغا جدا بتقمص دور الوالدين، فباتا يقرران من وراء ظهرها ما يخص حياتها الشخصية وما آلمها أنهم يفعلان هذا بها وهي امرأة اربعينية.

"أتذكرين خريف العام الماضي لما رافق نيكولو بعض من أقاربنا وقد مروا علينا لما كنا ننظم طعاما وثيابا لسكان المنطقة؟ إنه ماكسيم ابن اخ زوجة العم داريو وقد أعجب بك وقبل أن يسافر نيكولو ببضعة أيام وصلته رسالة من ماكسيم يطلب فيها أن يقترن بك وكم كان خطه أنيقا وكلماته مهذبة"

حادثتها صوفيا بود لكن ظنها لم يكن في محله، فأختها التي أبت أن يتحكم أحد في حياتها قد لملمت حاجياتها وغادرت المنزل في الصباح الباكر وعزمت على المكوث عند اختها كارولينا إلى أن تحكم صوفيا عقلها وتكف عن أفعالها المريعة.

كل هذا جرى وريكاردو لم يفطن حال الغيوم السوداء التي استقرت فوقهم، فهو لم يعر اهتماما لعمته أدرينا التي ترجته أن يرى ما أمر دانيلو الذي أقلع عن العودة للمنزل، ولم يبالي بتنبيهات العم جيوفاني حول موظف البريد الذي عوضا عن تركه البريد في الصندوق أسفل البناء صعد السلالم وسلمه بنفسه لشقته.

واعتبر حديث العم جيوفاني بأن موظف البريد قد تبدل وشكوكه حوله مجرد هلوسات رجل متقاعد خرف.

ففضل ريكو حياة الحرية والطيش، إذ لم يوجد هناك من يربطه كما يفعل والده، فتارة يتخلف عن العمل للقاء اصحابه وتارة يهرب، فيذهب للمتنزه نحو البحيرة ويتزحلق على الجليد، فلقد أحب تنفيذ جميع الفعاليات التي تبعده عن تلك المنطقة.

وكيف لريكو أن يفوت متعة التزلج وفاليريا الهاربة معهم في الساحة، تحاول تعليم بيلا؛ تلك الخالة التي اعلنت العصيان أيضا بعد سفر زوجها، فلم تلبث في البيت ورحبت بكل أنواع المتعة، فزارت المطاعم والمتاجر وجربت مقاهي جديدة وفي كل مكان بحثت بيلا عن معنى السعادة.

فبحثت بيلا عن السعادة في التعرف على الغرباء، تجربة أطعمة جديدة أو قراءة الكتب، حتى أنها بحثت عن السعادة في تغير هيئتها، إذ لبست شعرا أشقر مستعارا متشبهة بباقي أقرانها وبحثت مجددا عن السعادة، في التخلف عن العمل والذهاب للعلب.

فعائلة دي كارلو تملك المنطقة وولاء ساكنيها، لكن لولاء أهلها مقابل؛ فهم عليهم توفير الحماية والعناية، فإن مرض فيهم صبي تكفلوا برعايته الصحية وإن مات زوج واحدة، ربطوها بمرتب شهري يعيلها ويعيل أولادها ومن مهام فصل الشتاء لدي كارلو، أن يوفروا الحطب للدفأ والطعام لإشباعهم.

وهذا ما عملت عليه أخوات نيكولو وذرياتهم، تجهيز صناديق فيها من الطعام والملبس ما يقي الأهالي قسوة البرد لكن اليافعين، مثل ريكو، فاليريا وبيلا قد تخلفوا عن العمل.

"خالتي ميرا لا تفقدي توازنك واضبطي قدميك" نصحتها فاليريا والتي كانت تتزلج بخفة ومهارة أمام بيلا التي لم تتوقف قدماها عن الارتجاف ولما وجدتها كثيرة السقوط نادت على ريكاردو "تعال وساعدها فإني لا أجيد تعليم أحد" والذي كان يتزلج بعيدا عنهم مستمتعا بحريته إلا أنه تنازل واقترب منهما مكرها، فهو لا يطيق بيلا ولا يطيق مناداتها بأمي ولولا أن فاليريا من طلبت منه، لما اهتم لأمرها وحقده على بيلا ليس شخصيا وإنما لكونها زوجة ابيه. فلم يكن غيرة لكنه في الفترة الأخيرة بات يكره كل ما يمد لوالده بصلة.

"تريدين مني تعليمها وهي لا فائدة منها؟ لو كان يفيد لتعلمت التزلج منذ سن مبكر، الآن هي مجرد عجوز حالها من حال عماتي وأبي" سخر منها وتراقص أمامها متزلجا، فخورا بما يجيد.

"ابتعد عني يا ولد وإلا قمت برفسك كما رفسك الخروف!" نهضت بيلا بنفسها وحاولت المضي إلا أن ارتجاف قدميها اسقطها فوجدت وجهها ملاصقا للجليد.

"رأيت يا فاليري، هي قد رفضت مساعدتي لها وردت يدي"

"ريكو أقلع عن عنادك هذا وساعدها"

تذمر ريكو فقال "سأفعل، لكن لأجلك انت فقط ليس إلا" ذهب ريكو صوب من المفترض أن تكون أمه ورفعها من ساعدها كي يعينها على الثبات. قرر ان يتصدق عليها بتعليمها القليل من مهارته الفذة في التزلج، لكن خيبتها مسته أيضا فباتت بسقوطها تسقطه معها وفاليري من بعيد تضحك عليهما.

"الرحمة يا امرأة! ألا عقل لك؟! أقول لك ألا تباعدي قدميك وانت مصرة على ذلك؟!"

أعانها على النهوض وهذه المرة امسك بيدها، أخبرها أن تدع بدنها له وقد حاولت بيلا بصعوبة وكم كانت فرحة لما مضى بها فوجدت نفسها تتزلج دون عناء.

ضحكت بيلا لكنها تألمت كثيرا لاحقا إذ كثرت سقطاتها أو بالأحرى سقطاتهما، فعادا في المساء وعلى وجههما كدمة متورمة.

مشت بيلا خلفهما عائدين للمنزل وهما في المقدمة، فلمحت في ريكو لهفة ومجهودا كبيرا يبذله لمجرد الحديث مع فاليري، التي لم تر في عينيها بريقا لأجله وكم كانت فاليري كثيرة المقاطعة له، فقط لتدخل بيلا في الحديث.

لتدرك بيلا حينها، أنه لربما فاليري هي الفتاة التي وجدت ريكو يحاول نظم الشعر لها في القطار، في تلك الليلة قبل وصولها لروما.

لكن افكارها قوبلت بتوبيخ شديد من صوفيا، التي زجرتهم جميعا لتخلفهم عن أعمال التوزيعات ووجهت اصابع اللوم لريكو، الذي أهمل واجباته كخليفة للعائلة من بعد أبيه وأبلغته أن السنيور لورينزو قد خرج للبحث عنه فانزلقت قدمه اثناء نزوله السلالم وكسرها.

ليخسر ريكو حينها حجرا مهما من أحجار رقعة الشطرنج دون أن يدرك، ألا وهو حجر القلعة. إلا أنه استمر في اللامبالاة خاصته وتخلف عن حاجة أسرته له.

ومضى الشتاء عليهم وفي أيام شهر يناير الأخيرة، نزلت على العاصمة عاصفة شديدة حرمت المواطنين من حرية الحركة والخروج من بيوتهم، بل وحرمتهم نزول الماء، فالأنابيب تجمدت والتيار الكهربائي انقطع، لتعلن الحكومة توقف جميع قطاعاتها في إجازة إجبارية إلى حين نزوح العاصفة.

ولسوء الحظ؛ تدهورت صحة زوج أدرينا السنيور جيوفاني، ونفذ منه الدواء فصعدت أدرينا السلالم وهي متلفلفة من شدة البرد بوشاح لتدق باب السنيور لورينزو ففتحت كانتارا، شقيقته لها الباب.

"أدرينا، أكل شيء على ما يرام؟"

"كانتارا، أرجوك نادي على فيتو وريكو فأنا احتاجهما بشدة"

"عزيزتي إني آسفة، لكن فيتو مسافر وريكو ليس في المنزل، خرج في الصباح الباكر"

"وإلى أين ذهب؟"

"لا أدري، لم يجبني عندما سألته، لكني سمعته يتحدث أمام الباب مع أحدهم فعلمت أنه ذاهب لمتجر القصابة"

"رباه! الرحمة أرجوك! أعندما احتاج لأحد لا أجد؟!"

قالت أدرينا بقهر من شدة يأسها وبيلا فتحت باب شقتها لتطل برأسها، فلقد سمعت ما دار بينهما من حديث وسألت بقلق "أدرينا، أهناك خطب ما؟"

تذمرت أدرينا لما رأت زوجة أخيها، مستذكرة حديثه بأن يبعدوا بيلا عن مشاكل الأسرة ورغبت ألا تنطق بحرف لكن حاجتها اجبرتها فقالت بعجز "إنه جيوفاني، قد انتهى دوائه الخاص بعقله وكم ألححت على دانيلو أن يجلبه، لكنه لم يحضره ووالده الآن في الأسفل يصيح خائفا مني. فقد تخلف عن دوائه لما يزيد عن الأسبوع"

"رباه!" شهقت كانتارا والتقطت معطفها لتنزل مع أدرينا لمنزلها تاركين بيلا خلفهما وكاد الحزن أن يتملكها لشعورها بأنها لا قيمة لها بينهن لكنها أقلعت عن هذا الدلال وذهبت معهما لترى حال الزوج المسكين، الذي فقد صوابه فبات يصيح بهم أنهم لن يحصلوا على اعتراف واحد من لسانه.

"بيلا، لا ارجوك لا تأتي... إنه في وضع سيء" ترجتها أدرينا لكن صوت الضرب في الداخل أنساها عقلها، فولجت لتجد زوجها على الأرض ملقيا ويحاول الزحف كي ينجو فيفر هاربا.

"جيوفاني! جيوفاني ما الذي تفعله؟!"

استعان زوجها بيديه ليزحف عنهم بعيدا وقال زاجرا "ابتعدوا عني! ابتعدوا عني ولا تقتربوا! لن انطق لكبيركم بحرف ولن تستفيدوا مني شيئا! أفضل الموت على خيانة سيدي"

جثت أدرينا على ركبتيها راكعة وكم اجهشت بالبكاء، فكيف عساها تقنعه أنها زوجته وليست بسجانته "جيوفاني من فضلك، انت في منزلك ولست مختطفا!"

"هراء! هراء!" صاح بهم السنيور جيوفاني وبيلا واقفة عند مدخل غرفة الجلوس تشاهدهما وهما يحاولان إقناع هذا الرجل المسن، بأنه في منزله وليس مخطوفا. احست بيلا بالشفقة تجاهه وتجاه أدرينا، فهي لم تكلف نفسها يوما عناء زيارة هذه الأخت رغم علمها بزوجها المريض وقد أحست بالندم، أنها لم تتعرف عليه وهو في أحسن حالاته بل اضطرت لرؤيته وهو في هذا الوضع المزرى.

أغرقت عينا بيلا بالدموع فلقد اهتز قلبها المرهف لما وصل لأنفها رائحة حارقة، ففطنت مصدرها لما رأت سروال منامته مبللا...

"اسمعتما عن الجزار دي كارلو، هو سيأتي... هو سيأتي لأجلي ولن يتركني هنا" هددهما وفي يده سكينة المطبخ، يأبى أن يسمح لهما بالاقتراب وبيلا من شدة بشاعة المنظر لم تحتمل الوقوف خاوية اليدين فقالت "سأذهب لريكاردو فيجلب دواء عمه" خرجت من المنزل بلا تريث وغطت قدماها في تلال الثلج، عازمة على إيجاد ريكاردو كي يساعد عمته وزوجها.

ضمت معطفها بقوة لبدنها وبصعوبة مضت في الثلج الذي وصل علوه لصدرها فغطى شوارع المدينة كما غطاها.

لهثت بيلا بصعوبة من ألم الصقيع وكم آلمتها اطرافها فهي بثياب المنزل قد غادرت ولم يوجد فوقها سوى معطفها وما دفع اليأس ليتملك قلبها هو خلو الشوارع و الطرقات من أي أثر لآدمي غيرها، فصاحت مناديه "ريكاردو!"

"ريكاردو!"

"ريكاردو أين انت؟!"

مرت ببيلا ريح كادت أن تجمد أطرافها، فجاهدت للركض والوصول لتلك القصابة التي يديرها زوجها نيكولو.

"ريكاردو!" نادت عليه مجددا واقتربت من المتجر فوجدت العديد من آثار الأحذية والثلج منقشعا عن المدخل لتدرك أنه من الممكن أن يتواجد في الداخل، فدفعت الباب ليرن الجرس المعلق.

"ريكاردو؟" ولجت بيلا للمتجر واجزاء منه مظلمة لانقطاع التيار الكهربي عنه، تملكها القلق وخطواتها باتت ابطئ لعدم وجود احدهم هنا.

لكنها لم تعرف أن من تبحث عنه متخفي خلف الخزنة هو ودانيلو وقد أطبقا على أفواههما فلا يصدرا صوتا كي تيأس من البحث وتغادر.

وكم تمنى ريكاردو أن تغادر هذه المرأة القصابة حالا قبل أن يزداد الوضع سوءا إلا أن أمانيه لم تتحقق، فلقد أدير مقبض الباب وخرج من ركن العمال ثلاثة رجال مخيفي الهيئة بسبب ما يمسكوه من سلاح في أيديهم...

شخصت عينا بيلا جزعة، فرمقت وجوههم المخيفة ثم ما بحوزتهم ولم يكن بوسعها سوى تجرع حلقها والتراجع للوراء بخطوات وهنة "أ.. أنا آسفة... ل.. لقد كنت ابحث عن ريكاردو"

"ونحن يا -بيلا دونا- نبحث عن ابن عمته، هل يا ترى رأيتهما؟" تقدم نحوها الذي في المنتصف بينما أحدهم هب ليتأكد من إقفال الباب فلا تتمكن من الهرب.

هزت بيلا رأسها نافية لما استوعبت سؤاله متأخرا فسألها "لما الخوف يا بيلا دونا؟ تعالي ولنتحدث بشأنهما" هم الرجل ببيلا ففرت مسرعة والتفتت للباب، لكن الذي عند المدخل حاصرها يمنعها من الفرار.

"لا! لا! دعوني! لا علم لي بما تريدون!"

صاحت بيلا مستنجدة لما حاوطها الذي خلفها بذراعيه، فجرها وهي رفعت ساقيها ترفس في الهواء فامسك الآخر بقدميها ليقوداها كالماشية ودخلوا بها للركن حيث يسلخ نيكولو ضحاياه.

"أود أن اقول لو تتوقفين عن الركل لكن استمري فإني مستمتع بما ترى عيناي من جلد ناصع البياض" ضحك الممسك بقدميها وقد حصل على مشهد كامل لما يوجد أسفل ثوبها المنزلي.

"ألا تملين من الصراخ؟! أحقا تظنين أن هناك من سينصت لك؟" لطم الرجل فمها لتكف عن الصراخ وبعد أن أدخلوها نطق دانيلو أخيرا فقال "اللعنة! اللعنة عليك وعلى أمك يا ريكو" سحب أنفه الذي استمر بحكه وعيناه محمرة أما عن اطرافه فقد كانت ترتجف بلا اتزان.

"بل اللعنة عليك انت! بماذا ورطت نفسك وورطتنا يا ابن ال.... آهه! لا يمكنني حتى شتمك فوالدتك هي عمتي!" همس ريكو من تحت أسنانه والرعب تملكه، فقبل قليل كانت حياتهما معرضة للخطر أما الآن فحياتهما وحياة زوجة أبيه معرضة للخطر وبالتأكيد لن يشفق عليهما والده وسيقوم بتعليقهما في الخطافات من حناجرهما إن مسها سوء.

"عن أي ورطة تتحدث! لما تعقد الأمور أنا فقط طلبت منك رقم الخزنة السري"

"بعد أن سرقت مني مفتاح المتجر!"

"لم أسرقه بل استعرته من جيب معطفك فحسب"

"أهذه هي المشكلة الآن؟!"

"لا، لا يوجد مشكلة والآن تنحى جانبا كي اخرج بحقيبة الأموال هذه وأذهب لسداد ديني"

دفع دانيلو ريكاردو عن طريقه وضم حقيبة النقود لصدره، فأمسك ريكاردو بذراع الحقيبة يجرها كي يعيده وهمس بحدة "وماذا عن زوجة أبي؟!"

"ماذا عنها؟"

"سنتركها هكذا؟"

"ولما لا؟ إنها لا تخصنا بل تخص والدك، ثم انظر للجانب المشرق ألم تكن تريد التخلص منها؟"

"لكن ليس بهذه الطريقة!"

"ريكو كف عن مضايقتي ودع الحقيبة حالا كي اذهب!"

"لا! انت لن تذهب متفاخرا هكذا بعد أن ورطتني! إنهم يعرفون بشأني الآن!"

"وماذا في ذلك؟ ألست ابن نيكولو العظيم؟ اذهب وتخلص منهم بنفسك"

"دانيلو عد لهنا حالا!"

"افلت الحقيبة ألا تفهم؟! هم سيقتلونني إذ لم آخذ المال لهم حالا! إنهم يلاحقونني منذ مدة!"

تشاجرا وكل واحد بهما جر الحقيبة بكل ما يمتلكه من قوة حتى تمزقت وتطايرت الأوراق النقدية فوقهما كالمطر، فسمعا تصفيقا حارا يأتي من ذلك الرجل يحييهما على هذا الأداء الرائع

"برافو، برافو... والآن أيها السادة لما لا تقومان بتشريفنا؟"

وفي اللحظة التالية وجد الاثنان نفسهما يساقان للمكان الذي يسوق السنيور نيكولو إليه ضحاياه وكم التهم الخوف فؤاد ريكاردو فها هو يعيش ما عاشه الذين قتلوا على يد والده.

"ريكاردو! دانيلو!" صاحت بيلا بهلع وهي مقيدة بالمائدة الحديدية والرجال الثلاثة لم يهتموا بتنظيفها قبل أن يقيدوها بها، فوجدت بيلا نفسها ممددة فوق دم وأحشاء عفنة. اهتزت أنفاسها وشعرها المستعار الأشقر قد تلوث بالأحمر، حاله من حال وجنتها وترجتهما بعينيها أن يخرجاها من هذا المأزق.

لكن ريكاردو قد فقد قدرته على المقاومة وهو يرى زوجة أبيه مقيدة مكان الجثة التي قام بسلخ جلدها بنفسه سابقا، فراوده تخيل مريع عن والده وهو يأمره أن يسلخ جلد بيلا أيضا ويفصل أطرافها الأربعة عن جذعها.

"أهذا ما تمكنت من جمعه من مال يا ولد؟ ألا تظن أن ما قمت بإهداره أشد قيمة؟"

"سأجلب المبلغ المطلوب، فقط أمهلوني وقتا وسأجني المزيد"

"لقد امهلتك من الوقت ما يكفي واكرمتك بالمزيد لكنك مجرد ملعون محتال ولتتعلم درسك سأحرص على تأديبك انت وقريبك هذا" تنقل الرجل بطرفه وارتسمت على ملامحه ابتسامة خبيثة لما رأى عربة العدة الخاصة بالسنيور نيكولو، فقام بالصفير مدندنا وهو ذاهب بطريقه لجلبها.

"المشكلة يا ولد أنك تستخف بآل بآلديني واظن أنك لم تقرأ في الجرائد ما فعلناه بذلك الذي ظن نفسه قادرا على خداعنا... صدقني لقد قمت بتأديبه هو وبناته الأربعة وحرصت على أن تجدهم الشرطة عبارة عن جثث متفحمة"

قرب الرجل عربة العدة من المائدة، حيث بيلا التي لا تكف عن ذرف الدموع والنحيب تترجاه أن يقلع عما يفعل ويتركها في حال سبيلها، لكنه كان مستمتعا بما يفعل والسكين قد بثت شعور النشوة في دمه، فبات متشوقا لتجريب نصلها الحاد وتمريره على جلدها.

صاحت بيلا بقهر وبكل ما تملك من صوت وتلوت خوفا من الألم أمام ناظري هؤلاء الذين لا يعطون ذرة اهتمام لما تمر به من فاجعة. فالعصابة لم ترغب إلا بالنقود ودانيلو لم يرغب إلا بالفرار...

أما ريكاردو قد مر صياحها في أذنه مرورا مريرا، فلقد خيل له أن هذا الواقف يتأمل السكينة هو والده وكم اثارت اشمئزاز ريكاردو تلك الابتسامة الساخرة على محياه فتمتم بقلة حيلة وتقزز من أبيه "كفى"

"كفى" كرر بضيق ولما لم يتوقف صياح بيلا الثاقب، قد صاح هو بدوره يأمر ذلك الخسيس بأن يتوقف، ففر من قبضة من يمسكه والتقط سلسلة ذات خطاف ليقيد بها عنق كبيرهم الذي كاد ان يمزق جلد زوجة أبيه.

كم كانت انفاس ريكاردو حينها ثائرة وغضبه جليا ومن رآه أمامه لم يكن مجرد تاجر ممنوعات وضيع إنما والده بشحمه ولحمه، فشدد عليه الخناق يأمل قتله ليخلص البشرية منه.

هجم الآخران على ريكاردو وهما بضربه لكنه وبسرعة بديهة تعلمها من والده، التقط مطرقة اللحم من على العربة الحديدية، فلطم بها وجه الأول ثم الثاني بضربة واحدة وصاح مناديا "دانيلو فك قيدها وأبعدها من هنا حالا!"

انتفض دانيلو في مكانه بعد أن هم بالهرب تاركا إياها وتذمر بضيق من هذه المسؤولية، فعاد أدراجه مكرها وفك قيدها ليجرها رغم تكاسل قدميها عن الحركة من شدة الرعب "هيا يا خالة، تحركي، تحركي ولا تزعجيني!"

أخرجها دانيلو يجرجرها نحو الثلج الذي تصبغ بالأحمر بسببها ولما هم بإعادتها للمنزل تمسكت بذراعه وترجته بعينين دامعة فقلبها هلع علي من تركته خلفها "ريكاردو، ماذا عن ريكاردو؟!"

"دعي ابن الجزار ذاك ليتدبر امره ولنفر بجلدنا حالا!"

"لكنهم ثلاثة وهو واحد!"

"واللعنة إني لا اهتم!"

صعقت بيلا من رد دانيلو ومن شدة خوفها على ريكاردو هي نسيت رعبها وفرت منه لتعود أدراجها لكن دانيلو أوقفها فلا تتصرف بغباء وبينما هما يتصايحان في الخارج مر عليهما رجل وسألهما فأخبرته بيلا بكل ما شهدت عليه ليهب للداخل ويعين ريكاردو.

"صهه! أيها الغبية أتقولين كل ما ترين للناس! اللعنة عليك وعلى خالي الذي أحضرك!"

ولج عليهم الرجل لداخل الحجرة فوجد ريكاردو راكعا بوهن أمام جثة هشم وجهها بمطرقة اللحم من فرط عصبيته التي أعمته فنادى عليه الرجل "ريكاردو، يا ريكاردو هل انتَ بخير؟" امسك بكتفه ليتفقد حاله فوجد عيناه مغرقة بالدموع من هول ما فعل "لقد قتلته... لقد قتلت كما يقتل أبي الناس"

"ششش، لا بأس. انت أخرج وأنا سأتدبر الأمر حالا، قل لي أين الآخران؟"

"أحدهما فر لمكتب أبي والآخر لا أدري أي..."

لم يكمل ريكاردو حديثه بسبب ظهور ذلك الفرد مشهرا عن سكينه فباغته ذلك الرجل والذي يكون فرانكو أن ضرب يده لينتزع منه سلاحه فيطعنه به وعن رأسه فقد ضمه لكتفه يهمس ب "شش، لا بأس" أنزله فرانكو ليرتمي إلى جوار من قتله ريكاردو وقال "أخرج يا ولد وأنا سأهتم بالباقي"

"لكن... لكن من انت؟"

"أنا؟ أنا صديق عزيز لوالدك يا بني والآن هيا اخرج"

أطاعه ريكاردو من شدة الوهن الذي أصاب أعصابه فخرج ليجد بيلا واقفة في انتظار رؤيته سالما وحالما لمحت أثره هي ولجت بلا خوف وضمته إلى صدرها خشية أن يمسه سوء.

"رباه، رباه يا ريكو كم قلقت عليك" تمتمت ودموعها بللت وجنتيها أما عن أصابعها فقد توغلت في شعره تخشى عليه كما لو أنه سيأتي أحد ويأخذه منها.

وريكاردو لفظ أنفاسه بصعوبة من هول صدمته فلقد أحكم الخناق على ذلك الرجل الذي شبهه بوالده وأزهق روحه ليشعر بذنب عظيم فهو قد ابتغى قتل والده وما أخافه هو ذلك الإحساس المريع الذي توغل فيه وانتشر لما ضربه بالمطرقة ضربا مبرحا.

فلقد تملكته نشوة المتعة واللذة حينها، كما لو أنه يقوم بأكثر شيء ممتع على وجه الخليقة، لذا دس وجهه بخزي في كتف بيلا والتي بشكل غير مألوف قد أشعرته بخيط من الإنسانية كي يتمسك به فلا يفلته.

وهذا الخيط الدافئ التف حوله لما ضمته بيلا إلى صدرها، فتذكر ريكاردو البراءة التي سيفقدها إن لاحق تلك النشوة ولم يمتنع عنها.... حينها راود سؤال عجيب ذهنه؛

ألهذا السبب تزوج والده من هذه المرأة؟

.

.

.

.

"أهذه سيارة إسعاف؟"

استنكر ريكاردو أمر السيارة الواقفة أمام المبنى وهم بالمضي أسرع لكن أطرافه تجمدت حالما وقع بصره على رجال الإسعاف قد نزلوا وفي جعبتهم السدية محملة بجثمان مغطى بالأبيض.

فزعت بيلا ولازم الوهن قدميها فبحثت عن يد ريكاردو الذي اعتصر يدها من هول صدمته، لما وجد عمته أدرينا بحالة رثة تنزل السلالم خلفهم مسرعة تترجاهم ألا يأخذوه منها وباقي شقيقاتها يحاولن إيقافها.

فجميعهن، جميعهن اللواتي كن بعيدات عنها ونسين أمرنها قد ركضن إليها هن وأزواجهن حالما سمعن بخبر مقتل زوجها، فمنهن التي شدت على أزرها ومنهن التي أجهشت بالبكاء لا تقاوم ألم الفراق هذا.

فزوج شقيقتهن كان خير قريب وبمثابة الأخ الكبير لهن، حتى إنه كان والد فاليريا الروحي، لذا بكت فاليريا عليه كما تبكي على والدها الذي رحل دون وداع.

"أ.. أبي؟"

تمتم دانيلو بقلة استيعاب ومكث في مكانه عاجزا عن الحركة وهو يرى والدته قد غلبها القهر، لدرجة أن ضربت على رأسها، تلوم نفسها بأنها المذنبة في مقتله ولم يتمكن دانيلو من تخيل أنه عاد للمنزل وهذه المرة والده الذي يتذمر منه ما عاد موجودا.

"ما الذي فعلته"

تمتم ريكاردو بعجز ويداه ارتفعت لشعره يشد عليه من شدة اختناقه، إذ باتت الأرض باتساعها ضيقة عليه وكم أحس حينها بالذنب والخزي من نفسه.

فلقد خسر حجر الملكة من رقعة الشطرنج الخاصة بأبيه، فما عاد هناك لا ملكة، لا فيل ولا قلعة، فقط جنود مبعثرون في الوسط وتمنى حينها لو تمسك بوالده قبل سفره فيستحلفه ألا يغادر.

ونيكول ذلك السنيور الذي كان متخفيا بقبعة ونظارة، جالسا على منضدة في آخر الحانة يستمع لغناء تلك السنيورة التي سيكون هذا عرضها الأخير لليلة.

فالجزار دي كارلو لم يعلم حينها، أنه بينما هو مشغول بالصيد، بنيان داره وراء ظهره يتصدع ويتدعى نحو الهاوية. 






عن الكاتب

إليناز كاتبة سابقة في تطبيق الواتباد و لي من الاعمال الكثير اشهرها الجميلة و الوحش في الشقة المجاورة, القرية خلف سكة الحديد و روميو و الوحوش في السرداب كذلك قصص سابقة مثل الغراب و الرداء الاحمر

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

illynaz